ثم أنتقل بك أيها الدارس الكريم إلى شيء من تقاليد الهندوس:
لا تجلس على الحصير، أو الفراش الجالس عليه من هو أكبر منك قدرًا، وإذا كنت جالسًا، ودخل عليك من هو أكبر منك قدرًا، فَقُم له، واستقبله، وسلم عليه، والصغير إذا لقي الكبار عليه أن يبدأهم السلام، وأن يعرفهم بنفسه، ومن لا يعرف ألفاظ السلام يستخدم مع الكبير تعبيرًا "تمسكار" أي: انحني أمامك.
في نصوصهم: "على الصغير إذا ما لقي كبيرًا أن يعرفه بنفسه بعد السلام عليه قائلًا: أنا فلان
[ ١٣٩ ]
هذا التكريم ينطلق من القدر، والعلم لا من العمر فقط ويتسع ليشمل عددًا كبيرًا من ذوي الشأن المحيطين بالإنسان؛ لذلك جاء الأمر عندهم بضرورة احترام، وإجلال مجموعة كبيرة من الأشخاص.
قف وعظِّمْ خَالَكَ، وعمك، وحماك، والعلماء الذين يقومون بالأعمال الدينية وأستاذك ولو كانوا أصغر منك سنًّا، وقبل ذلك؛ فالتكريم الأكبر، والاحترام الأعم هو للوالدين، فهما أصحاب الفضل الأساسي على الإنسان، وقد عانيا ما عانيا في تربيته، وإعداده ليس بالمستطاع مكافأة الأبوين حتى ولا بمائة سنة على ما يقاسيانه من العذاب في نسل الأولاد.
على التلميذ أن يقوم على خدمة الأبوين، والأستاذ بما يرضيهم، وبذلك ينال ثواب عبادته كلها، إن طاعة هؤلاء الثلاثة هي خير العبادات؛ فعلى التلميذ ألا يقوم بعبادةٍ ما رجاءَ الثواب، وزيادةَ الحسنات إلا بإذنهم؛ فالوالدان؛ والأستاذ هم أكثر من يحسن للإنسان، ويسهم في تشكيل شخصيته لذلك وجب عليه أن يبادلهما الإكرام والإجلال، وهذا الاحترام يعبر عنه بأسلوب المخاطبة، وبالهيئة عند التخاطب مع الأستاذ.
والأدب الهندوسي في هذا الباب فيه: يجب على التلميذ ألا يكلم أستاذه وهو مضطجع، أو وهو جالس على حصير، أو وهو يأكل، أو كان منحرف الوجه عنه، بل عليه أن يكلمه قائمًا إن كان الأستاذ جالسًا، ويتقدم إليه، ويقترب منه إن كان قائمًا، ويسرع إليه إن كان قادمًا، ويركض خلفه إن كان سائرًا، والهندوسي عليه أن يسعى إلى النعيم الأخروي؛ وبذلك عليه أن يتحمل الأذى في الدنيا، وألا يرد الإساءةَ بمثلها.
[ ١٤٠ ]
وفي الهندوسية جملة وصايا تصب كلها في مجمل اتباع الفضائل، فقد جاء في نصوصهم: "لا تؤذي غيرك ولو أوذيت، ولا تتكلم بما يؤذي غيرك، ويمنعك من النعيم الأخروي، ولا تحسد الآخرين على ما آتاهم الله من فضله واحرم الهندوسية القمار، وتطالب الحاكم أن يمنع القمار، وكل أشكال الرهانات وأن يعمل على معاقبة ذلك.
ويعدون القمار كسبًا غير مشروع، وهو من جملة أنواع السرقة يقولون في تحريم القمار على الملك أن يمنع المقامرة، والرهان في مملكته؛ لأنهما يبيدان الملك على الملك أن يعمل جهد طاقته لإبادة المقامرين والمراهنين؛ لأن القمار والرهان سرقة ظاهرة، وتستمر مسيرة القيم مع الهندوسية، فإذا بها تحرم الرشوة، وتحارب النفاق، والتدليس، وتحظر التنجيم، والارتزاق من خلاله، كما أنها تعاقب من لا يمارس عمله خاصة الأطباء بصدقٍ وأمانة، وتطالب الحاكم بأن يلاحق هؤلاء، وينزل بهم العقاب المناسب لاستئصال الفساد من المجتمع.
ورد في شرع "مينو سماتري": "أن المرتشي، والماكر، والمدلس، والمقامر والمعلم الذي يعلم أداء الطقوس الدينية بالأجر لا للصواب هو الذي يسلك بالخبث، والنفاق، والذي يعيش بالتنجيم، ورجال الحكومة الكبار، والطبيب الذي لا يمارس مهنته بصدق، والمشعوذ، والمومس الماكرة، وغيرهم من الناس الذين يخادعون، ويمكرون جهرًا، والذي يتزي بزي الفرق العالية هم شوك للرعية على الملك أن يستقصي أخبار هؤلاء الناس، ويقبض عليهم؛ فإذا أصبحوا في قبضة الملك عليه أن ينظر إلى إجرامهم، وإلى قواهم البدنية، ثم لينزل العقاب بكل واحدٍ منهم بالنسبة إلى جرمه، والهندوسية تحرم السرقة، وتنزل أشد العقوبات بالسارق، وتتدرج العقوبة وصولًا إلى الإعدام حالة تكرار فعلِ السرقة.
[ ١٤١ ]
يقول شرعهم: "على الملك أن يقطع أيدي اللصوص الذين يسطون على المنازل ليلًا للسرقة، ثم ليصلبهم فتقطع إصبع اللص في أول سرقة يسرقها وتقطع يده وقدمه في السرقة الثانية، ويعاقب بالموت بالسرقة الثالثة، ومن آداب الهندوسية، وشرعها تحريم الغش، وبالتالي فمن يغش عندهم له العقاب، ولا يصح أن يمر عمله بلا عقاب؛ كي يرتدع سواه كي يرتدع وسواه عن فعل الغش.
ورد في "مينو ساماتري" يعاقب بالغرامة المالية الصغرى، أو المتوسطة كل من يغش زبائنه، أو يغالي في الثمن، وتحرم الهندوسية الخمر؛ لأنه نجس، ومصدر للخبث، كما في قانون "مينوساماتري" إن الخمر نجسة كالإثم فعلى المولودين ثانية ألا يشربوها.
ومن صور الأخلاق عند الهندوسيين: نقول إن أغلى ما يطمع فيه البربهمي هو الانطلاق، والاندماج في براهما، ودستور العقل الهندي للوصول لهذه الغاية كان دائمًا الزهادة المفرطة بالصوم، وأرق الليل وتعذيب النفس، كما كان بأن يعيش أسير الحرمان، ويحمل نفسه ألوان البلاء، وبأن يبدو دائمًا كثير الهموم، والخوف والنشاذ، هو لا يتمنى الموت لأن الموت ينقله إلى دورة جديدة من دورات حياته، بل يرجو لنفسه الفناء في براهما.