يؤمن الهنود بتناسخ الأرواح، ومعناه أن الروح حينما تفارق جسدها عند الموت تنتقل إلى جسد آخر، وتستمر هكذا في التنقل حتى تستقر في أصلها الأول الذي صدرت منه، وفكرة التناسخ هذه تتضمن فكرة وحدة الوجود التي قال بها الهنود؛ لأن جميع الكائنات في نظرهم تتضمن روحًا صدرت عن الله الواحد.
[ ٣١٣ ]
والكائنات في الحقيقة هي الروح السارية فيها، وما المادة المحسوسة إلا مظاهر فانية لا قيمة لها، والأرواح حينما تصدر من مقرها الأول تبقى عاشقة للعودة إلى مصدرها وأصلها، ولكن اختلاطها بالمادة وتشابكها مع الشهوات يؤخر لها تحقيق هذا الأمل. إن الموجودات كلها إذا انصدرت عن الله وستعود إليه فهو وحده الموجود وهو أصل كل موجود سواه، وفي إطار وحدة الوجود يفهم التناسخ الروحي؛ لأن الروح تفارق الجسد المادي عند الموت وتنتقل إلى جسد آخر.
يؤكد البيروني هذه القضية، ويورد النصوص من الكتب الهندوسية فيقول: "قال ياسِيدو لأرجن: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنًا، فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معًا بموتى، ولا ذاهبين ذهابًا لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان، من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثم الشيخوخة التي عقباها موت البدن ثم العود، كيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها ولا نار تحرقها، كل مولود ميت كل ميت عائد، وليس للإنسان من كلا الأمرين شيء، وإنما هما إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير".
إن الاعتقاد في التناسخ عندهم يعتمد على بعض القضايا اليقينية في نظرهم، وهي الإنسان في الحقيقة بروحه لا بجسده؛ لأن الجسد فانٍ ينتهي أما الروح فهي باقية خالدة، وهي جوهر الإنسان. الإحساس بالسعادة أو بالشقاء متعلق بالروح لا بالجسد، والعقاب بعد الموت يكون للروح فقط.
تنزل الروح من مصدرها طاهرة نقية، فإذا ما اختلطت بالجسد عاشت بين الأهواء والشهوات ومالت إليها. أعمال الإنسان في حياته تستتبع نتائجها بعد
[ ٣١٤ ]
الموت بالضرورة، فإن كان عمله خيرًا نالت روحه الخير وإن كان عمله شرًّا جوزيت روحه بالشر، وذلك يتحقق بالتناسخ لأن الإنسان الذي يعمل خيرًا تنتقل روحه إلى جسد صالح، طاهر أرقى من الجسد السابق، وهي بذلك تسعد، أما الإنسان السيئ، فإن روحه تجازى بأن تنتقل إلى جسد ناقص شقي تشقى فيه وهكذا تجازى الروح.
إن الهنود لا يشكون في أن الأفعال التي يقوم بها الإنسان بإرادته، فتحسن إلى الآخرين أو تسيء إليهم، لا بد أن يكافأ عليها ذات يوم أو يعاقب، وكل من يفلت من هذه الحياة يجنيه في حياة أخرى؛ لأنه لا يموت موتًا كاملًا. إن نفس كل كائن وشخصيته لا يمكن أن تصير إلى فناء. إن النظر في تفاوت الظروف في الحياة الدنيا يؤدي حتمًا إلى التسليم بأنه كان ثمة حياة سابقة.
وكذلك يتحتم أن يكون الموت مفضيًا إلى حياة جديدة، تنال فيها النفس جزاء ما قدمت في الحياة التي انقضت، ولكن إلى متى يستمر التناسخ؟ هو مستمر إلى أن تصل الروح إلى الخير التام، وتندمج في الإله برهمة، ووصولها إلى الخير التام ليس بالأمر المستحيل؛ لأن الروح تستمر في التجوال صعودًا وهبوطًا حتى تتمكن من قهر الشهوات والرغبات الدنيا، والوصول إلى نهاية سلم الطهر، وتتقمص جسدًا راقيًا نظيفًا، وبعده تستقر في الخير الأعلى، وبذلك يتحقق الهدف الأقصى للروح فتثبت وتعيش في سعادة دائمة وغامرة.
ويلاحظ هنا أن الهنود يفصلون الجسد عن الروح ويجعلون كلًّا منهما مستقلًا عن الآخر، وفي نفس الوقت يُحملون كلًّا منهما ما يرتكبه الآخر من أوزار، فالروح تتقمص جسدًا تشقيه إذا ارتكب إثمًا، والجسد إذا أثم يجعل الروح آثمة معه، وهم بذلك يترددون بين مذهب الجبر ومذهب الاختيار، وفي إطار الإيمان بتناسخ الأرواح يظهر لنا إيمان الهنود بأمور ثلاثة:
[ ٣١٥ ]
الأول: تجوال الروح وهو يعني تنقل الروح من جسد إلى جسد.
الثاني: وحدة الوجود وهو يعني أن الكون كله منبثق عن الله، وما الكون كله إلا مظهر لله.
الثالث: الانطلاق وهو يعني عودة الروح إلى بارئها الأعلى، وامتزاجها في حقيقتها الأصلية.
ويدافع بعض فلاسفة الهنود المعاصرين عن الإيمان بهذه الجوانب المتصلة بالروح، حيث يرى في الوحدة الروحية دافعًا للمحبة الاجتماعية، فحين نفهم أننا كأغصان شجرة واحدة، توجد عواطف التضامن والتعاون والمحبة، من يرى جميع المخلوقات في الموجود الواحد، ويرى الموجود الواجد في جميع المخلوقات، لا يكره أحدًا ويتحرر من الوهم ومن الألم إلى الأبد.
والأديان السماوية ترى أن الروح من الله، وأن لها دورها الكبير مع الجسد، أنها لا تموت مع الجسد، وهي في هذا تتفق مع العقيدة الهندوسية، لكنها تختلف عنها في أن لكل كائن مخلوق روحه الخاصة به، ولا تناسخ بين الأرواح وأن الآخرة هي دار الجزاء الحقيقي.