ونأتي إلى الفرق بين الشريعة والمنهاج:
الشريعة: في اللغة من الشرع، وهي مصدر شرع بالتخفيف، والتشريع مصدر شرَّع بالتشديد، والشريعة في أصل وضعها اللغوي مورد الماء الذي يُقصد للشرب
[ ٤٣ ]
يقال: شرعت الإبل إذا وردت شريعة الماء، ثم استعملها العرب في الطريقة المستقيمة، يقال: شرع له الأمر بمعنى سنه وبيَّن طريقته، والشرع والشريعة نهج الطريق الواضح.
وقال بعض العلماء: سميت الشريعة بشريعة تشبيهًا بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة رُوي وتطهر، وجاء في (القاموس) الشريعة ما شرع الله لعباده، والظاهر المستقيم من المذاهب كالشرعة بالكسر. وقال ابن عباس -﵄: "الشرعة ما ورد به القرآن الكريم، والمنهاج ما ورد به السنة".
وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣) الآية إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل، ويراد بالشريعة كل ما شرعه الله للمسلمين من دين سواء أكان بالقرآن نفسه، أم بسنة الرسول -ﷺ، فهي لهذا تشمل أصول الدين أي: ما يتعلق بالله وصفاته، والدار الآخرة وغير ذلك.
والشريعة في الاصطلاح: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات، ونظم الحياة في شعبها المختلفة لتحقيق سعادتها في الدنيا والآخرة، فشريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسانية من الزيغ والانحراف، ويجنبها مزالق الشر، ونوازع الهوى، وهي المورد العذب الذي يشفي صدورها، ويحيي نفوسها، وترتوي بها عقولها، ولهذا كانت الغاية من شرع الله استقامة الإنسان على منهج الله؛ لينال عز الدنيا وسعادة الآخرة.
[ ٤٤ ]
كما أنه تذكر الشريعة، ويراد بها الفقه في بعض الأحيان من باب إطلاق العام ويُراد به الخاص، وذلك في مثل قولنا: عقيدة وشريعة. ويقول الشاطبي -﵀- في تعريف الشريعة أيضًا: "إن معنى الشريعة أنها تحدُّ للمكلفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم، واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، ومعنى هذا أن الشريعة مرادفة للدين، وليس يُراد بها الفقه وحده؛ لأن الفقه لا يتعرض للاعتقادات كما هو معلوم"، وقد عرفت اللغة العربية كلمة شريعة قبل كلمة فقه بزمن طويل، ذلك بأننا نجد مادة شرع ومشتقاتها وردت في كثير من القرآن الكريم، بل نجد كلمة شريعة نفسها جاءت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: ١٨) وهذا في مقابل الشرائع السابقة.
وفي بيان الفرق بين الدين والشريعة يقول أبو هلال العسكري: "الفرق بين الدين والشريعة هو أن الشريعة هي الطريقة المأخوذة فيها إلى الشيء، ومن ثمَّ سُمي الطريق إلى الماء شريعة ومشرعة، وقيل الشارع لكثرة الأخذ فيه، والدين ما يُطاع به المعبود، ولكل واحد منها شريعة، والشريعة في هذا المعنى نظير الملة، إلا أنها تفيد ما يفيد الطريق المأخوذ ما لا يفيد الملة، ويقال: شرع في الدين شريعة، ولا يقال طرق فيه طريقًا، والملة تفيد استمرار أهلها عليها". وجاء في (مقاييس اللغة) لابن فارس: "الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهو مورد الشاربة الماء اشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة".
[ ٤٥ ]
وجاءت في (أساس البلاغة) للزمخشري: "شرع الله الدين، وشرع في الماء شروعًا، وورد الشرع والشريعة والشرائع، نعم، الشرائع من وردَّها رُوي وإلا روى، ويُسمَّى الشرع أيضًا بالدين والملة، فإن الأحكام من حيث إنها تُطاع يقال: لها دين، ومن حيث إنها تُملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعة شرعة، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبي -﵊، وإلى الأمة فقط استعمالًا، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضًا، والشرعة هي عبارة عن مطلق الشريعة، وهي الأشياء التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها، وهي ما سنَّ الله من الدين وأمر به كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وسائر أعمال البر. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ (الجاثية: ١٨)، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨).
فالشرعة في الدين، والمنهاج في الطريق، وقيل الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق هاهنا الدين، وقيل الشرعة معناها ابتداء الطريق والمنهاج: الطريق المستقيم، قال ابن عباس: "شرعة ومنهاجًا سبيلًا وسنة"، والمنهاج نهج: النهج الطريق الواضح، فنهج الأمر، وأنهج وضح، ومنهج الطريق ومنهاجه، ونهج الثوب وأنهج بان فيه أثر البلى، وقد أنهجه البلى، والمنهاج هو الطريق الواضح قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، وفي الحديث عن العباس -﵁- لم يمت رسول الله -ﷺ- حتى ترككم على طريق ناهجة أي: واضحة بينة.
بذا نكون قد بينا معنى كلمة الملة والنحلة، والفرق بين الشريعة والمنهاج.
[ ٤٦ ]