الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
لا يزال حديثنا موصولًا عن نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة، تناولنا منها أديان المصريين القدماء، ودين الهند الكبرى، والصين، واليابان، ونحن مع أديان الفرس، والرومان، واليونان إن شاء الله ﵎.
أديان الفرس، نقول وبالله التوفيق:
الفرس من الأمم ذات الحضارات العريقة الموغلة في القدم، وقد اهتم بدراسة آثار الفرس العديد من العلماء المتخصصين في العلوم المختلفة، وبخاصة علماء الأديان الذين يجدون أنفسهم أمام دينٍ متكامل الجوانب شامل للعقيدة والشريعة والسلوك، الأمر الذي يُعطي لهذا الاهتمام ضرورةً معينة من أجل المعرفة.
ومن خلال بحثنا في أديان الفرس سنتناول القضايا التالية إن شاء الله تعالى:
- التعريف بمصادر أديان الفرس.
- التعريف بزرادشت.
- التعريف بجوانب الدين، كما وضّحتها المصادر.
- ومناقشة آراء العلماء واتجاهاتهم في نشأة الدين عند الفرس وتطوره.
- وذلك كله في إيجاز وتركيز، مع المحافظة على إعطاء صورة متكاملة عن أديان الفرس.
أولًا: مصادر أديان الفرس:
برغم أن أديان الفرس ذاتُ تاريخٍ قديم فإن كتبها المقدسة التي توضح الدين وتفصّل جوانبه لم تعرف إلا على يد زرادشت؛ فلقد أحياها وشرحها، ودعا
[ ٣٨١ ]
الناس إليها، ولذلك نجدها لا تعرف إلا به، ووصل الأمر ببعض العلماء أن جعلوه مؤسس الدين الفارسي، وبدءوا بحثهم في أديان الفرس من زمن هذا الحكيم الكبير، والمصادر الدينية عند الفرس مجموعة من الكتب يضمها كتابٌ واحد يعرف بالفستا.
الفستا: وهو الكتاب الرئيسي للدين الفارسي، ومعناه في العربية: النص الأصلي، ويطلق عليه العرب اسم الأبستاق، وقد ظل هذا الكتاب يتداول شفويًا طيلة قرون عديدة باللغة الفهلوية القديمة، والكتاب في الجملة يؤرّخ للفرس ودينهم وأدبهم بلا ترتيب زمني، ويشتمل الكتاب الموجود في العصر الحديث على ثلاثة أقسام أو فصول هي:
القسم الأول: ويتناول حديث الإله أهورامزدا إلى زرادشت؛ حيث يعلمه أوامر الشريعة تفصيلًا كما يتناول قصة خلق العالم وتكوينه، ويبين بعض النظم الاجتماعية، ويسمى هذا القسم الفنديداد.
القسم الثاني: ويتناول توضيح الطقوس الدينية، وهو عبارة عن تراتيل وصلوات خاصة برجال الدين الفارسي، وتلاوة هذا القَسم لا تحتاج إلى جمهور يسمعها، ويُعرف هذا القسم بالفاسبرد.
القسم الثالث: ويتناول تمجيد الملائكة، ويتحدث عنهم كآلهة صغار، كما يتناول بيان صلوات وشعائر دينية، وهذا القسم له اهتمام خاص لدرجة أن البعض يعتبره الجزء الذي لم يحرّف من الفستا، ويعرف هذا القسم بالياستا.
وقد دارت حول الفستا أساطير كثيرة، نقلها بعض العلماء على أنها حقائق مسلمة؛ من هذه الروايات: إنه كُتب في اثني عشر ألف مجلد من جلود البقر والثيران والماعز، وإنه كُتب حفرًا على الجلد ونقشًا بالذهب، وإنه حفظ في
[ ٣٨٢ ]
حوافظ الموابذة، الذين هم كبار رجال الدين الفارسي، مع كتابته على النحو المذكور، والذي يجعلنا نلحق هذه المعلومات بالأساطير شبه الإجماع عند علماء الأديان على أن الفستا لم تدوّن طيلة عدة قرون، كما أن التسليم بهذه الروايات يؤدي إلى عدم ضياعها وتحريفها، بينما المعروف أن أكثر من ثلاثة أربعها .. إن أي: كتاب ينال هذا الاهتمام حفظًا وتدوينًا كفيلٌ باستمراره مع الزمان، وبخاصة أنه وجد بين دولة تقدستة وأمة تدين به، لكن الثابت عدم استمراره، مما يؤكد أن الروايات المذكورة مبالغٌ فيها وبعيدة عن الواقع.
وقد اهتم علماء الدين الفارسي بشرح الفستا، وإحاطته بالحواشي التي تشرحه وتشرح شرحه وتبين شرح شرحه؛ وذلك واضح من الزِّند، وهو كتاب يشرح الفستا، وقد ألف بعد الفستا بمدة طويلة، والباذند وهو شرح للزند، والإياردا وهو شرح للبازند، وهذه الشروح كُتبت باللغة الفهلوية بلغة الفرس القديمة، وترجمها العلماء في العصر الحديث إلى عددٍ من اللغات الحية مع ترجمة الفستا، والعلماء المحدثون يرون أن أهم ما يوضّح العقيدة الدينية للفرس هو كتاب التراتيل المعروف باسم الياسنا، وهو القسم الثالث من الفستا، ويرون أنه يتضمن العناصر القديمة للزرادشتية، ويحتوي على أقوال زرادشت؛ ولهذا نجد العلماء يهتمون بدارسة هذا القسم وتحليله أكثر من غيره.