أي أمة في التاريخ بلغت في النكالة، والإفك مبلغ هؤلاء اليهود حين فعلوا هذا مع أنبياء الله ورسله؟ وحين تعنتوا معهم، وتعنتوا مع سيدنا محمد -ﷺ- تعنتوا معه في الأسئلة فكما قال الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٥٣) فكذبوا رسول الله، وأرادوا قتله عشرات المرات، ولكن الله -﷿- عصمه منهم.
وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (التوبة: ٧٤) وقال في حق نبيه -﵊-: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) وأصروا على موقفهم بل على كفرهم، وأبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -﵌- فقال الله عنهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠).
استبان الحق لهم واضحًا، فأبوا أن يتبعوه مع وضوحه وضوح الشمس حتى قال الله -﷿- لنبيه -﵊-: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٤٥)،
[ ١٧٠ ]
ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا يجاهدون أو يقاتلون باطلًا لردة الناس عن دينهم ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧).
إنهم اتخذوا كل الوسائل في تكذيب النبي محمد -ﷺ- كما كذبوا رسلًا من قبله، وحاولوا قتله، كما قتلوا رسلًا من قبله حتى وصموا بهذه الصفة، ولازمتهم تلك الذلة والمسكنة حين قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١١٢).
وحين طالبهم النبي -﵊- بالإيمان به ردوا قائلين كما قال القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٨٣) ومن ثم أبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -ﷺ- وهو النبي الخاتم المذكور في توراتهم، والمصرح به كما سنذكر ذلك بعد قليل إن شاء الله -﵎.
إذًا فهم مع الإيمان بالرسل على نحو ما ذكرنا، ولهم دور كبير مع النبي محمد ﵊ في المجادلة واللجاج، والتعنت في الأسئلة وفي المواقف، وفي كل شيء؛ ولذلك حكى القرآن الكريم هذا عنهم فيما ذكروه من أسئلة ومجادلات مع رسول الله -ﷺ- وفيما وقع منهم من فساد؛ فجدالهم لم ينقطع، واستهزاؤهم بالدين لم ينتهِ، أذكر من هذا على سبيل المثال لا الحصر؛ المجادلات، والمخاصمات الكلامية التي أرادوا من ورائها الطعن في الإسلام، ونبي الإسلام -﵊- فجادلوا في نبوة النبي محمد -﵊- بقصد الطعن فيها، وصرحوا بأن محمدًا -ﷺ- ليس هو النبي المنتظر التي بشرت به الكتب السماوية بعد أن عرفوا صدقه، كما يعرفون أبناءهم.
[ ١٧١ ]
وقد حكى القرآن ذلك ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦) وكما سبق في ذكر الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٨٩).
إنهم حسدوا النبي محمد -ﷺ- وأبوا الإيمان به حسدًا من عند أنفسهم؛ لأنه لم يكن من بني إسرائيل، وإنما كان من بني إسماعيل، ومن ثَمَّ كانت لهم مطالب متعنتة على سبيل التحدي والتعجيز؛ لإظهار النبي محمد -﵊- بمظهر العاجز عن إجابة مقترحاتهم حين طلبوا منه أن يكلمهم الله، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١١٨).
ومن وسائلهم التي اتبعوها في طعنهم في نبوة النبي -﵊- ومحاولتهم إنكار أن يكون القرآن منزلًا من عند الله حتى قالوا ما جاءنا محمد بشيء نعرفه، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (البقرة: ٩٩).
وجادلوا النبي -﵊- في شأن إبراهيم وملته؛ فردَّ الله -﷿- عليهم بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠) وزعموا أن إبراهيم كان يهوديًّا، كما زعمت النصارى أن إبراهيم كان نصرانيًّا، ورد الله -﷿- عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نصرانيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧) مخاطبًا إياهم بالحق الذي ينبغي أن يعرفوه: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ
[ ١٧٢ ]
حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نصرانيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٥ - ٦٨).
وجادلوا النبي -﵊- في نبوة عيسى -﵇- كما جادلوه في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وجادلوه كذلك بقصد إحراجه -﵊- في الروح، وسألوه عن ذي القرنين، وسألوه عن الجنازة هل تتكلم، وعن طعام أهل الجنة وشرابهم، كما سألوه عن الله -﷿- عن ذاته ووحدانيته، وتطاولوا على الله -﷿- في سؤالهم حتى أغضبوا النبي -ﷺ- ونزل جبريل ليهدئ من روعه، وكانوا يؤذونه -﵊- بكل أنواع الأذى فهم إذا أرادوا السلام عليه قالوا: السام عليك يا محمد أي: الموت، وإذا جالسوه قالوا: يا محمد راعنًا، يا محمد يريدون الرعونة، ولا يريدون الرعاية، كما حكى القرآن عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: ٤٦).
ووصل تطاولهم إلى الذات الإلهية، كما جاء في الحديث الصحيح أنه أتى رهط من يهود إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: «يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فغضب رسول الله -ﷺ- حتى امتقع لونه -أي: تغير - ثم ساورهم - أي: باطشهم غضبًا لربه - قال فجاء جبريل -﵇- فسكنه، فقال: خفض عليك يا محمد» وجاء من الله تعالى بجواب ما سألوا عنه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١ - ٤).
[ ١٧٣ ]
قال: فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه، كيف ذراعه، كيف عضده؟ فغضب -ﷺ- أشد من غضبه الأول وساورهم، فأتاه جبريل -﵇- وقال له مثلما قال أول مرة، وجاء من الله تعالى بجواب ما سألوه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧).
فهذه بعض النماذج من أسئلة متعنتة التي وجهها اليهود إلى النبي -ﷺ- بقصد مضايقته، وإظهاره بمظهر العاجز عن إجابة أسئلتهم، ولقد خابوا فيما سلكوه، ولم يصلوا إلى ما أراوده فقد كان النبي -﵊- يجيبهم بما يخرس ألسنتهم، ويردهم على أعقابهم خاسرين، ومع ذلك كذبوه وكفروا برسالته.
ولم يكتفوا بهذا، فحين عجزوا في هذا الجانب حاولوا الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين ورد المسلمين عن دينهم بطريق الخداع والتلبيس والتدليس، وتلاعبهم بأحكام الله تعالى، ومحاولة فتنة الرسول -ﷺ- عند تقاضيهم إليه قائلين: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (المائدة: ٤١) يعني: ما كان عندكم في التوراة: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (المائدة: ٤١) في قضية الرجم، وتحالفوا مع المنافقين ضد المسلمين بل منهم نشأ النفاق، وإليهم يعود حتى قال الله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١، ٥٢).
وإمعانًا منهم في تكذيب النبي -﵊- تحالفوا مع المشركين، وشهدوا لهم بأنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا كما سجلت سورة النساء هذا الموقف المخزي على
[ ١٧٤ ]
اليهود على الرغم من أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم أهل دين وتوحيد، فإذا بالله -﷿- يحكي عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (النساء: ٥١ - ٥٥).
إنهم آذوا رسول الله -ﷺ- بالقول القبيح، والخطاب السيئ، وبكل ما استطاعوا أن يقولوه، وأن يفعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون، واستهزءوا بدينه -﵊- وبشعائره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: ٥٧، ٥٨).
ولقد حاولوا في الأخير قتل النبي -﵊- فلم يكتفِ اليهود بحروب الجدل التي حاربوا بها النبي -ﷺ- ولا بحروب الدس والوقيعة، ومحاولة إثارة الفتنة بين أصحابه، ولا بإظهارهم الإسلام في أول النهار وكفرهم في آخره، ولا بتحالفهم مع كل مبغض للإسلام والمسلمين، ولا باستهزائهم بالدين وشعائره، لم يكتفوا بكل ذلك من أجل القضاء على دعوة النبي محمد -﵊- وإنما لجئوا إلى وسيلة أخرى سولتها لهم أنفسهم الغادرة، وعقولهم الحاقدة، هذه الوسيلة هي محاولة قتل النبي -﵌- أكثر من مرة.
وقد ذكر القرآن الكريم المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم كيف أنه سبحانه نجى نبيه محمدًا -ﷺ- من مكر اليهود، وأذاهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ١١).
[ ١٧٥ ]
وفي السنة ما جاء في محاولتهم قتل النبي -﵊- مما كان سببًا في غزوة بني النضير، كما جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن أبي زياد، فيما أخرجه ابن جرير قال: «جاء رسول الله -ﷺ- بني النضير يستعينهم في عقل أصابه أي: في دية تحملها الرسول -﵊- عن أصحابه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي، فقال: أعينوني في عقل أصابني، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لنا أن تأتينا، وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا؛ فجلس رسول الله -ﷺ- وأصحابه ينتظرونه، فجاء حيي بن أخطب، وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله -ﷺ- ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترون أقرب منه الآن اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا فجاءوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل -﵇- فأقامه من ثم» فأنزل الله تعالى الآية.
فأخبر الله -﷿- نبيه -ﷺ- ما أرادوا به؛ وبذلك تكون الآية الكريمة، وذكرت المؤمنين بنعمة الله عليهم؛ ليزدادوا له شكرًا وحمدًا، وأشارت إلى ما أراده اليهود من أذى لرسول الله -ﷺ- فأحبط الله تعالى كيدهم خيب مسعاهم، ولم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة التي حاول فيها اليهود قتل النبي -﵊- بل هناك غيرها الكثير.
ومن أشهرها محاولة المرأة اليهودية أن تسم النبي -﵌-، فقد أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: «لما فتحت خيبر، واطمأن رسول الله -﵌- بعد فتحها أهديت إليه شاة فيها سم، فقال رسول الله -ﷺ- بعد أن لاك منها مضغة ثم لفظها اجمعوا لي من كان هنا من اليهود؛ فجمعوا له، فقال لهم حين اجتمعوا عنده: إني سائلكم عن شيء،
[ ١٧٦ ]
فهل أنتم صادقي فيه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله -ﷺ- من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان، قال: كذبتم أبوكم فلان -قال الحافظ ابن حجر أي: إسرائيل، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -﵇- قالوا: صدقت، وبررت، فقال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها زماننا يسيرًا، ثم تخلفوننا فيها، فقال: اخسئوا فيها أي: اسكنوا فيها سكون ذلة وهوان- والله لا نخلفكم فيها أبدًا ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم، قال: أجعلتم في هذه الشاة سمًّا -نسب إليه الجعل؛ لأنهم لما علموا به لم ينكروه- قالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك». هكذا زعموا، وحاولوا غيرها مما يماثلها كثير بهذا نرى أن اليهود حاولوا قتل الرسول -ﷺ- أكثر من مرة، ولكن الله تعالى عصمه من مكرهم ونجاه من شرهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.
ولم يكتف اليهود بكل هذا؛ فبعد فشلهم في هذه المجادلات، وتلك المحاولات راحوا ينقضون المعاهدات، ويدبرون المؤامرات، ويقاتلون رسول الله -ﷺ- كما حدث هذا في بني قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولهم أحابيل شيطانية، حاولوا بها تفريق الكلمة، وتمزيق الأمة، وإشاعة البغضاء بين الأوس والخزرج مرة، وبين المهاجرين والأنصار أخرى، عاهدهم النبي -﵊- معاهدة عدل وبر، وقسط ورحمة، ومع ذلك نقضوا عهود، فهم اليهود قتلة الأنبياء، نقضة العهود، وكما قال القائل: لو تركت الحمر نهيقها، والكلاب
[ ١٧٧ ]
نباحها، والحيات لدغها ما ترك اليهود نقضهم للعهود؛ فقد كانت مواقفهم مع أنبياء الله ورسله بصفة عامة، كما حكاه القرآن ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة: ٧٠).
ومع رسول الله محمد -ﷺ- بصفة خاصة على نحو ما أسلفنا من المجادلات والمحاولات، ونقض المعاهدات، وتدبير المؤامرات، واستمر ذلك بعد النبي -﵊- وإلى هذا العصر الحديث، ولكن لما كان الكلام عن الأنبياء والرسل، فقد أشرت بهذه الإشارات من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة والسيرة، وكذلك التاريخ، وأعود فأذكر عقائدهم في الأنبياء، بل وقاحتهم مع الأنبياء والرسل من خلال التوراة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٧٨ ]