استدلا عليه بما رواه الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: (﴿وسع كرسيه﴾ البقرة٢٥٥، كرسيه: علمه) (١) اهـ.
وهذا لا يصح عن ابن عباس - ﵁ - لأمور:
أولًا: أن مداره على جعفر بن أبي المغيرة، وفيه لين، فقد لخص الحافظ ابن حجر الحكم فيه فقال: (صدوق يهم) (٢). ومثل هذا لا يُقبل تفرده بمثل هذا عند المحدثين، لا سيما عن المكثرين كسعيد بن جبير، ما لم يكن له به اختصاص، فإذا أضيف إلى ذلك
_________________
(١) رواه ابن جرير (٣/ ٩) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٤٥) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٥١).
(٢) تقريب التهذيب (ص٢٠١).
[ ٥٥٣ ]
مخالفته للثقات المكثرين من أصحاب سعيد بن جبير، فلا شك أنه يتعين الحكم بخطئه وشذوذه، كما هو الحال هنا، وتفصيله على النحو التالي:
ثانيًا: فقد خالف جعفر بن أبي المغيرة فيه من هو أوثق منه في سعيد بن جبير.
فقد رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: (كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره) (١) اهـ.
ومسلم البطين من أوثق الناس في سعيد بن جبير، وقد أخرج له البخاري ومسلم عنه.
وقال ابن منده عن جعفر بن أبي المغيرة: (ولم يتابع عليه
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥١) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ٤١٢) وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٤٩١) وعبد الله في السنة (٢/ ٥٨٦) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٠٧) وابن أبي شيبة في العرش (ص٧٩) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٨٢) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٤٤) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٣٧) والدارقطني في الصفات (ص١١١) والحاكم (٢/ ٣١٠) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٧٤) وأبو ذر الهروي في الأربعين في التوحيد (ص٥٧) والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٥١). وأورده الذهبي في العلو (ص٧٦) وقال الألباني في مختصر العلو (ص٧٥): صحيح.
[ ٥٥٤ ]
جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير) (١) اهـ.
ثالثًا: أن المحدثين والأئمة قد صححوا رواية القدمين، وضعفوا رواية المغيرة في "العلم":
- فقد صححها أبو زرعة، فقال فيما روى عنه ابن منده في التوحيد قال: (وسئل أبو زرعة عن حديث ابن عباس: موضع القدمين، فقال: صحيح) (٢) اهـ.
- وروى الدارقطني في الصفات بإسناده: عن العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (شهدت زكريا بن عدي يسأل وكيعًا؟ فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني: مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟.
فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا، يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا) (٣). اهـ.
- وقال الدارمي في "الرد على المريسي": (فيقال لهذا المريسي: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر الأحمر ممن يعتمد على روايته، إذ قد خالفه الرواة
_________________
(١) الرد على الجهمية (ص٤٥).
(٢) التوحيد (٣/ ٣٠٩).
(٣) رواه الدارقطني في الصفات (ص١٦٣) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٧٤) وهو في تاريخ ابن معين برواية الدوري (٣/ ٥٢٠).
[ ٥٥٥ ]
الثقات المتقنون. وقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الكرسي خلاف ما ادعيت على ابن عباس. - ثم أسنده عن مسلم البطين به، ثم قال: فأقر المريسي بهذا الحديث وصححه.) (١) اهـ.
- وروى البيهقي الطريقين في "الأسماء والصفات" وقال: (وقال ﵎: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ البقرة٢٥٥. وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: علمه.
وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش) (٢). اهـ.
- وقال الذهبي في العلو: (وقال ابن عباس: كرسيه: علمه. فهذا جاء من طريق جعفر الأحمر، لين، وقال ابن الأنباري: إنما يروى هذا بإسناد مطعون فيه) (٣). اهـ.
- وقال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة: (والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين -وذكره- ثم قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على
_________________
(١) الرد على المريسي (١/ ٤١١).
(٢) الأسماء والصفات (ص٤٩٧).
(٣) العلو (ص١١٧).
[ ٥٥٦ ]
صحتها، والذي يُروى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار) (١) اهـ.
رابعًا: أن تفسير الكرسي بموضع القدمين، هو الموافق لما صح عن النبي - ﷺ -، ولأقاويل الصحابة - ﵃ -:
فعن أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) (٢).
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء) (٣).
_________________
(١) تهذيب اللغة للأزهري (١٠/ ٥٤).
(٢) رواه ابن جرير (٣/ ١٠) وابن أبي شيبة في العرش (ص٧٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٨١) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٧٠،٦٤٩) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٨٧) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥١٠). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٧٤، رقم ١٠٩).
(٣) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص٥٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٠٥ - ١٠٦) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٢) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٦٥، ٦٨٩) وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٧١) واللالكائي (٣/ ٣٩٥) وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٩) البيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٠٧). وأورده الذهبي في العلو (ص٧٩) وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد في السنة وأبي بكر بن المنذر وأبي أحمد العسال وأبي عمر الطلمنكي، وقال: إسناده صحيح. وصححه الألباني في مختصر العلو (ص٧٥).
[ ٥٥٧ ]
وعن أبي موسى - ﵁ - قال: (الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل) (١).
والآثار في هذا الباب كثيرة.
وبهذا يتبين عدم صحة هذا الأثر عن ابن عباس - ﵁ - وشذوذه، وخطأ من استدل به.