وأما ما نقله الأشعريان (ص١٩٤) عن الإمام أحمد من قوله: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام الخ)
ففيه أمور مهمة:
الأمر الأول: أن هذا ليس من كلام الإمام أحمد، بل هو مما ذكره أبو الفضل
[ ٣٩٨ ]
عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في مصنفه في اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه من اعتقاده بلفظ نفسه، فجعل يقول: كان أبو عبد الله، ويذكر من اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه ورآه، لا بما نص عليه الإمام أحمد، فصار بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده، فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده.
وكان التميميون أبو الحسن التميمي وابنه وابن ابنه ونحوهم مائلين إلي الأشاعرة، وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور، ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما ذكر اعتقاده، اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في اعتقاد الإمام أحمد، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ٣٩٩ ]
وكثيرٌ مما ذكره أبو الفضل التميمي مخالف لمعتقد الإمام أحمد الثابت عنه، كما نقل عنه نفي الجسم والجوارح والتركيب ونحو هذه الألفاظ، وقد كانت طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة أنهم لا يطلقون هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يقولون إثباتها بدعة كما أن نفيها بدعة، وإنما يلتزمون ما جاء في الكتاب والسنة من صفة الله تعالى.
قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك) (١) اهـ.