الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى
الله ﵎ يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وقد دل على إثبات كون الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت: الكتاب والسنة والإجماع واللغة.
فمن الكتاب قوله ﵎: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤.
وقال: ﴿فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الأعراف١٤٣. وغير ذلك من الآيات.
والكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت. فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت. لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿بلسان عربي مبين﴾ الشعراء١٩٥.
قال أبو نصر السجزي: (الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات.
[ ٤٦٨ ]
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا) (١) اهـ.
وقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة) (٢) اهـ.
وقال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦. ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفًا وصوتًا.
والقرآن كلام الله ﵎، وقد بين النبي - ﷺ - أنه سور وآي وحروف فقال: (من قرأ سورة الإخلاص ..) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث، و(من قرأ حرفًا من القرآن) الحديث.
وقد وصف الله ﵎ نفسه بالنداء فقال: ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ الشعراء١٠.
_________________
(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص٨١).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٩٩).
[ ٤٦٩ ]
وقال تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه﴾ النازعات١٦.
قال السجزي: (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله - ﷺ - أنه من الله غير صوت) (١) اهـ.
وقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت) (٢) اهـ.
أما الأدلة من السنة:
(١) فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ) الحديث (٣).
(٢) عن عبد الله بن أنيس - ﵁ - قال: (قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلًا بُهمًا، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من
_________________
(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٦٦).
(٢) لسان العرب/ مادة "ندى".
(٣) رواه البخاري (٤/ ١٧٦٧).
[ ٤٧٠ ]
أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بُهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات) (١).
(٣) وعن عبد الله - ﵁ - قال: (إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص١٣٧) وفي الأدب المفرد (رقم ٩٧٠/فضل الله الصمد ٢/ ٤٢٣) واستشهد به في صحيحه معلقًا (٦/ ٢٧١٩) ورواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي ١/ ١٨٨) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٥) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٩٧) والروياني في مسنده (٢/ ٣١٥) وأبو الحسين في معجم الصحابة (٢/ ١٣٥) والحاكم (٢/ ٤٧٥) وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (ص٣٤٦) والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص١١٠) وأبو ذر الهروي في فوائده (ص٤٢) وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٣٢) والضياء في المختارة (٩/ ٢٦) وقال الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٣٥٦): (قال الطبراني في مسند الشاميين ..) ثم ساقه بإسناده، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (رواه أحمد بإسناد حسن). وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٢٥).
[ ٤٧١ ]
السماء: ماذا قال ربكم؟ قال - ﷺ -: الحق، قال كذا وكذا) (١).
وغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.
_________________
(١) علقه البخاري في صحيحه (٦/ ٢٧١٩) ووصله في خلق أفعال العباد (ص١٣٨) ورواه أبو داود (٣/ ٢٤٠) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٣٧) والدارمي في الرد على الجهمية (ص١٧٢) وعبد الله في السنة (١/ ٢٨١) واللفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (ص١٤٥) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٢) وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٣٨) واللالكائي (٢/ ٣٣٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٢٦٢). وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٨٢، رقم ١٢٩٣).
[ ٤٧٢ ]