تنوع دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى
لقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، بما يمتنع معها حمل اليدين على المجاز، وقد أطبقت كلمة السلف ﵏ على إثبات اليدين لله تعالى صفة له في ذاته، ليستا بنعمتين ولا قدرتين، بل يدان ثابتتان لله تعالى على الحقيقة، بلا كيف ولا تشبيه.
وأنا أذكر نماذج من تنوع الأدلة على إثبات صفة اليد لله تعالى:
التثنية:
قال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.
[ ٥٠١ ]
تثنية اليد المضافة إليه سبحانه تمنع من حملها على النعمة أو القدرة.
نسبة الفعل إليه سبحانه وتعديته إلى اليد بحرف الباء:
قال: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
نسب الفعل -وهو الخلق- إلى نفسه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قول القائل" كتبت بالقلم" و"ضربت بيدي"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه، إذا لا يكون هذا التركيب إلا ما باشرته اليد.
قال أبو الحسن الزاغوني في "الإيضاح": (أنه أضاف "الخلق" وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد كما ذكرنا، وهذا جلي واضح) (١) اهـ.
وقال أبو الحسن الأشعري: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله ﷿ إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهومًا في كلامها ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة،
_________________
(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٦).
[ ٥٠٢ ]
بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) (١) اهـ.
استعمال لفظ اليمين ووصفها بالطي
قال تعالى: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧.
وعن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (٢).
_________________
(١) الإبانة للأشعري (ص١٠٦).
(٢) رواه مسلم (ذ٨٢٧).
[ ٥٠٣ ]
وصفها بالقبض والهز
قال تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧.
وعن أبي هريرة - ﵁ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) (١).
فها هنا: هز، وقبض، وطي، وذكر يدين.
وصفها بالبسط
قال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.
وعن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (٢).
وصفها بالكف والأخذ
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٧).
(٢) رواه مسلم (٢٧٥٩).
[ ٥٠٤ ]
أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله). وفي لفظ (من كسب طيب) (١).
فها هنا: أخذ، وذكر كف ويمين.
وصفها بالنضح
عن لقيط بن عامر - ﵁ - في الحديث الطويل عن النبي - ﷺ - وفيه: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطي وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود) (٢).
وصفها بالشمال
عن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٤).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (٤/ ١٣) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٨٦) وعبد الله في السنة (٢/ ٤٨٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٨٦) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١) والحاكم (٤/ ٦٠٦) وقال: صحيح الإسناد.
(٣) رواه مسلم (٢٧٨٨).
[ ٥٠٥ ]
وصفها بالأصابع
عن عبد الله - ﵁ - قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله - ﷺ - ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧) (١).
وصفها بأنها ملئى، وبأنها أخرى
عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: (يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وقال: وكان عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع) (٢).
فها هنا: وصف بأنها ملئى، وسحاء، وأنها أخرى.
ومن المعلوم أن لفظ: الطي، والقبض، والهز، والبسط، والإمساك، والنضح، وكونها ملئى، وسحاء، إذا اقترنت باليد صار
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٦).
(٢) رواه البخاري (٦/ ٢٦٩٧) ومسلم (٩٩٣).
[ ٥٠٦ ]
المجموع حقيقة، وامتنع من أن يكون مجازًا، إذ أن اليد المجازية لا يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة كهذه الألفاظ. فإذا انضاف إلى ذلك أن ذُكر لها: أصابع، وكف، ويمين، وشمال، وأخرى، فهذا مما يُقطع معه أن اليد حقيقة، لأن اليد المجازية لا يُتجاوز فيها لفظ اليد، ولا يُتصرف فيها بما يُتصرف في اليد الحقيقية. فلا يقال: كف، لا للنعمة ولا للقدرة، ولا أصبع وأصبعان، ولا يمين، ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد يد النعمة، أو يد القدرة، أو يد التصرف.
فمن ادعى بعد هذا أن اليد المضافة إلى الله تعالى مجاز، فلا حقيقة في الوجود!!!
وبهذا يتبين أن صفة اليد لله تعالى حقيقة لا مجاز، ولا يأبى ذلك إلا مكابر.
ومما يؤكد هذا أن يُقال: أن اليد لغة لا تضاف إلا لذي يد، فيد القدرة والنعمة لا يُعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة، وموارد استعمالها مطردة في ذلك، ولا يعرف العرب خلاف ذلك. فحيث ذكرت اليد وأضيفت إلى حي متصف بصفات الأحياء وأريد بها النعمة أو القدرة، فإن هذا مستلزم ثبوت أصل اليد له حقيقة حتى يصح استعمالها في مجازاتها، فإذا امتنعت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها، فثبوت المعنى المجازي دليل على ثبوت حقيقة اليد.
[ ٥٠٧ ]
قال عثمان بن سعيد الدارمي: (فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي، يستحيل أن يُقال: بيده شيء من الأشياء فيجوز أن يُقال: بين يدي كذا وكذا كذا كذا، لما هو من ذوي الأيدي، وممن ليس من ذوي الأيدي. ولا يجوز أن يُقال: بيده، إلا لمن هو من ذوي الأيدي ..) (١) اهـ.
ولا يَرِد على هذا قول العرب: "يد الليل" و"يدي الرحمة"، لأنا قلنا: متى أضيفت اليد المجازية إلى الحي دون غيره، استلزمت اليد الحقيقية.
على أنه يُقال: أن المضاف من جنس المضاف إليه، فإذا أضيفت اليد إلى الحيوان كانت من جنسه، وإذا أضيفت إلى الحائط أو الليل كانت من جنسهما. فإذا كان المضاف إليه لا يماثل غيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فإذا قيل يد الله كان ذلك حقيقة غير مستلزم للتشبيه.
_________________
(١) الرد على المريسي (٢٢٣٦).
[ ٥٠٨ ]