دلالة الكتاب والسنة على أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة
أما الكتاب فمع ما سبق ذكره في أول الفصل.
قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف٣
وأما من السنة:
(١) فعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقرأ هذه الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله تعالى ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة - ﵁ -: رأيت رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضع إصبعيه) (١).
_________________
(١) رواه أبو داود (٣/ ٢٨٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص٤٢) وابن حبان (١/ ٢٤١) والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٢) وابن منده في التوحيد (٣/ ٤٤) والحاكم (٢/ ٢٥٧) واللالكائي (٣/ ٤١٠) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص٢٣٣).
[ ٨١ ]
قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعًا وبصرًا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية.
وفي هذا الحديث تحقيق لصفتي السمع والبصر لله ﷿، وأن الصفة الواردة في الآية إنما هي على الحقيقة، التي هي في الإنسان في العين والأذن، وليس المراد بهذا تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا. فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير﴾ الشورى١١. فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى مماثلته للمخلوقات.
(٢) وعن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر - ﵁ - كيف يحكي رسول الله - ﷺ - قال: (يأخذ الله ﷿ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله - ﷺ -) (١).
وفيه تحقيق القبض والبسط من صفة الله تعالى، وأنها على حقيقتها من غير مماثلة لصفة المخلوق.
(٣) وفي الحديث الطويل في ذكر آخر أهل الجنة دخولًا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في آخره:
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٨٨)
[ ٨٢ ]
(فيقول -أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول ﷿ ما يصريني (١) منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال -الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله - ﷺ -، ثم قال لنا رسول الله - ﷺ -: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة) (٢).
وفيه تحقيق الضحك لله تعالى.
(٤) وعن جابر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقال له بعض الصحابة: أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ فقال: «إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقول بهما هكذا»
_________________
(١) قال أبو عبيد في" غريب الحديث" (٣/ ٨٣): (قوله: يَصريك: يقطع مسألتك مني، وكل شيء قطعته ومنعته فقد صريته. وقال الشاعر هو ذو الرمة الطويل: فودعهن مشتاقًا أصبن فؤاده هواهن إن لم يصره الله قاتله يقول إن لم يقطع الله هواه لهن ويمنعه الله من ذلك قتله).
(٢) رواه أحمد (١/ ٣٩١) وأبو عوانة في مسنده (١/ ١٤٢) وأبو يعلى (٩/ ١٩٣) والشاشي في مسنده (١/ ٣٠٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٧) (١٠/ ٩) والحاكم (٢/ ٤٠٨) (٤/ ٦٣٤).
[ ٨٣ ]
وحرك أبو أحمد إصبعه (١).
قلت: وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت ٢٠٣هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري.
وفيه تحقيق الأصابع لله تعالى.
(٥) وعن حماد بن سلمة قال: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف ١٤٣، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أبي: أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد -أي ثابت البناني-؟ قال: فضرب صدره
_________________
(١) رواه أبو يعلى (٤/ ٢٠٧) والطبري في تفسيره (٣/ ١٨٨) والدارقطني في الصفات (ص١٢٤) وابن منده في "الرد على الجهمية" (ص٨٧) وقال: (وهذا حديث ثابت باتفاق) وفي التوحيد (٣/ ١١٢)، وقال: (اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو معاوية وغيره عن الأعمش عن أبي سفيان ويزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، ورواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس، وكذلك رواه عتبة بن أبي حكيم وغيره عن يزيد عن أنس، ورواه منصور بن أبي نويرة وغيره عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن غنيم بن قيس عن أنس بن مالك، وقال إسماعيل بن عمرو بن قيس بن الربيع عن الأعمش عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، وكلها معلولة إلا رواية الثوري وفضيل. - أي من مسند جابر -. وروي هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة وأسماء بنت يزيد وعن أبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من طرق فيها مقال) اهـ.
[ ٨٤ ]
ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - فتقول: أنت ما تريد إليه (١).
(٦) وعن ابن عباس - ﵁ - قال: مر يهودي بالنبي - ﷺ - فقال له النبي - ﷺ -: يا يهودي حدثنا. فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولًا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧ (٢). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٥،٢٠٩) والترمذي (٥/ ٢٦٥) وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٠) وعبد الله في السنة (١/ ٢٦٩) وابن خزيمة (ص١١٣) وابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٣) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٥٩ - ١٥٦٠) والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٢) وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٦٠) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٨٨) وقال: (وهذا حديث مشهور). والحاكم (١/ ٧٧) (٢/ ٣٥١) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٢٢٦) والضياء في المختارة (٥/ ٥٤) وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢١٠).
(٢) رواه أحمد (١/ ٢٥١،٣٢٤) والترمذي (٥/ ٣٧١) وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤١) وابن خزيمة في التوحيد (ص٧٨) والطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٦) والطبراني في الأوسط (٥/ ٦٧) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٨٥).
[ ٨٥ ]
وقال عبد الله في "السنة": سمعت أبي ﵀ يقول: ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي - ﷺ -: «أن الله يمسك السماوات على أصبع» قال أبي ﵀: جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعًا أصبعًا حتى أتى على آخرها (١).
وفيهما تحقيق الأصابع لله تعالى، وأنها على الحقيقة، مع مباينتها لأصابع المخلوق.
(٧) وعن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثًا عن نفسه، وحديثًا عن رسول الله - ﷺ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته) (٢).
وفيه تحقيق صفة الفرح لله تعالى، وأنه على الحقيقة.
_________________
(١) (١/ ٢٦٤) والحديث رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٦).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٢٤) ومسلم (٢٧٤٤)
[ ٨٦ ]
(٨) وعن أبي رزين - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه (١).
قال: قلت: يا رسول الله أويضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نُعدم من رب يضحك خيرًا) (٢).
وفيه أن الصحابي فهم صفة الضحك لله تعالى على الحقيقة، وأنها تستلزم الخير والرحمة.
(٩) وعن جابر - ﵁ - في حديث حجة النبي - ﷺ - الطويل وفيه أن النبي - ﷺ - قال في خطبة عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال
_________________
(١) قال أمام اللغة أبو عمر الزاهد غلام ثعلب كما في الإبانة لابن بطة (٣/ ١١٢): (فأما قوله "وقرب غِيَره" فسرعة رحمته بكم، وتغيير ما بكم من ضر). وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٩٠) في بيان معنى قوله "وقرب غِيَرِه": (وقد اقترب وقت فرجه ورحمته بعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون) اهـ.
(٢) رواه أحمد (٤/ ١١) والطيالسي (ص١٤٧) وابن ماجه (١/ ٦٤) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤٤) وعبد الله في السنة (١/ ٢٤٦) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٧،٢١٢) والآجري في الشريعة (ص٢٩٤) والدارقطني في الصفات (ص٩٣) والحاكم (٤/ ٦٠٥) واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٢٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٩٦) وصححه الألباني في الصحيحة (٦/ ٧٣٢) رقم (٢٨١٠).
[ ٨٧ ]
بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات) (١).
وفي الحديث تحقيق علو الله تعالى بالإشارة إليه في السماء.
_________________
(١) رواه مسلم (١٢١٨)
[ ٨٨ ]