آثار السلف الدالة على وجوب إجراء نصوص الصفات على ظاهرها
- الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (١٩٨ هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (١)
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) (٢) اهـ.
- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)
قال في رسالة "السنة" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ١٣٨.
(٢) العلو (ص٢٥١).
[ ٢٦٣ ]
ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى -إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ) ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا) (١) اهـ.
ونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعًا. اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".
وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نمرها كما جاءت.
وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله: "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث "يضع الرب ﷿ قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيرًا، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ١١٧.
[ ٢٦٤ ]
وقال في رواية حنبل: قال النبي - ﷺ -: "يضع قدمه" نؤمن به ولا نرد على رسول الله - ﷺ -.
فقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (١) اهـ.
ونقل عن الإمام أحمد أيضًا مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول - ﷺ -. . . القرآن. [هكذا في المطبوع]
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى
إلى أن قال القاضي معلقًا: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (٢) اهـ.
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).
(٢) المرجع السابق (١/ ٢١٨).
[ ٢٦٥ ]
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصًا، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبدًا كما قال الله تعالى.) (١) اهـ.
وقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق
_________________
(١) الرد على المريسي (١/ ٣٤٥).
[ ٢٦٦ ]
العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهًا بغير شكلها، وتمثيلًا بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) (١) اهـ.
وقال: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال ﴿بلسان عربي مبين﴾ الشعراء١٩٥،فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين) (٢) اهـ.
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٤٢٨).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٨٥٥).
[ ٢٦٧ ]
- سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (٢٨٣ هـ)
قال: (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (٢٨٧هـ)
قال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: "جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها" .. فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش.
سمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة ..) (٢) اهـ.
- الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (٣٠٣ هـ)
_________________
(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٧٨).
(٢) العلو (ص١٩٧).
[ ٢٦٨ ]
قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠، وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، و﴿جاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول ..) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها) (١) اهـ.
وحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفرًا وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضًا، ويؤيد بعضه بعضًا، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)
قال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه
_________________
(١) نقله الذهبي عنه في العلو (ص٢٠٧).
[ ٢٦٩ ]
﷿، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهًا ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه) (١) اهـ.
وهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول: وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيًا، فنفى عنه الهلاك والفناء) (٢) اهـ.
وتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه المعروف لغة، مع التباين في الصفة ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.
وقال مثل ذلك في باقي الصفات.
_________________
(١) التوحيد (ص١٩).
(٢) المرجع السابق (ص٢٢).
[ ٢٧٠ ]
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقت، ما دامت موجودة باقية.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله ﷿ وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه) (١) اهـ.
_________________
(١) التبصير في معالم الدين (ص١٤٨ - ١٤٩).
[ ٢٧١ ]
- أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣٦٠هـ)
قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين) (١) اهـ.
- عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (٣٦٣ هـ)
قال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧ ..) (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٥٥.
(٢) إبطال التأويلات (٢/ ٣٣٠).
[ ٢٧٢ ]
- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول -أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول - ﷺ - لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعًا ما قبلوا.) (١) اهـ.
- أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (٣٨٨ هـ)
قال فى رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥).
[ ٢٧٣ ]
سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه) (١) اهـ.
وقوله "وحققها قوم" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه.
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)
قال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله ﷿ فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويلها) (٢) اهـ.
- القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (٤٢٢ هـ)
قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفا": (وهذا لقوله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفا﴾ الفجر٢٢، فأثبت نفسه جائيًا، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في
_________________
(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨) والذهبي في العلو (ص٢٣٦).
(٢) التوحيد (٣/ ٧).
[ ٢٧٤ ]
الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه ..) (١) اهـ.
- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي - ﷺ - لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه) (٢) اهـ.
وقال أيضًا: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ) (٣) اهـ.
_________________
(١) شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه "الرسالة" (ص٣١٩ - ٣٢٠).
(٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٥٢).
(٣) المرجع السابق (ص١٢١).
[ ٢٧٥ ]
- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)
قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.
وقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على العرش، ويمرونه على
_________________
(١) عقيدة السلف وأهل الحديث (ص٣٩ - ٤٠).
[ ٢٧٦ ]
ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (١) اهـ.
وقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (٢) اهـ.
وقد سبق بيان معنى قوله "ويكلون علمه إلى الله" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
قال في "إبطال التأويلات": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه
_________________
(١) المرجع السابق (ص٤٤).
(٢) المرجع السابق (ص٥٠).
[ ٢٧٧ ]
فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (١) اهـ.
وقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها) (٢) اهـ.
- الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ)
قال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها) (٣) اهـ.
- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)
قال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).
(٢) المرجع السابق (١/ ٧١).
(٣) ذكره الذهبي في العلو (ص٢٥٣) وفي السير (١٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
[ ٢٧٨ ]
أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه) (١) اهـ.
- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)
قال في "منازل السائرين" في منزلة "تعظيم حرمات الله": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفًا،
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣١).
[ ٢٧٩ ]
ولا يتكلف لها تأويلًا، ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلًا، ولا يدّعي عليها إدراكًا أو توهمًا) (١) اهـ.
- الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (٥١٦ هـ)
قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله ﷿: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح -ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿ - ثم ساق آثار السلف) (٢) اهـ.
_________________
(١) مدارج السالكين شرح منازل السائرين (٢/ ٨٤).
(٢) شرح السنة (١/ ١٦٣ - ١٧١).
[ ٢٨٠ ]
- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)
قال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.
وقال أيضًا: (الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها) (٢) اهـ.
وقال نقلًا عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله ﷿ ﴿الرحمن على
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٨٧.
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٤).
[ ٢٨١ ]
العرش استوى﴾ طه٥، وقوله ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقوله ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤، وقوله ﴿أن غضب الله عليه﴾ النور٩، وقوله ﴿﵃﴾ المائدة١١٩.
وقول النبي - ﷺ -:"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلًا وست نساء.
فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله - ﷺ -، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه) (١) اهـ.
- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)
ذكر في "لمعة الاعتقاد" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان، والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٢٨٧).
[ ٢٨٢ ]
بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى١١، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) (١) اهـ.
وقال في "ذم التأويل": (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها) (٢) اهـ.
وقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات، وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.
_________________
(١) لمعة الاعتقاد (ص١٧٦).
(٢) ذم التأويل (ص١١).
[ ٢٨٣ ]
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.
وقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضًا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد
_________________
(١) العلو (ص٢١٤).
[ ٢٨٤ ]
صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير) (١) اهـ.
وقال في السير في ترجمة ابن عقيل: (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:
فالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم عليم خليلًا، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.
والظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم) (٢) اهـ.
وقوله عن أحاديث الصفات "فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى"، يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: "أمروها كما جاءت"، كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.
_________________
(١) العلو (ص٢٥٠ - ٢٥٢).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٨).
[ ٢٨٥ ]
- الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (١٠١٤ هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ) (١) اهـ.
- العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٠٧ هـ)
قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر - ﷺ - - إلى أن قال: أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب: فذكر الأول والثاني ثم قال:
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر (ص٩٦).
[ ٢٨٦ ]
الثالث: الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم، وهو معنى قول بعضهم: القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه، وأن ليس كمثله ﷿ شيء، فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية، ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق لا لاستواء الخالق أيضًا، وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة، فإنها تكون مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد ..) (١) اهـ.