نصوص السلف الدالة على إطراد قاعدتهم في الإثبات في جميع الصفات
وأنا أذكر هنا شيئًا يسيرًا من كلام السلف حيث يسوقون فيه الصفات سوقًا واحدًا بلا تفريق بين صفة وصفة، فلا يفرقون بين السمع واليد، ولا بين البصر والوجه، ولا بين القدرة والنزول، ولا بين الإرادة والضحك، ولا بين العلم والمحبة، ولا بين الحياة والمقت، ولا بين الكلام والعلو.
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)
قال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه) (١) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٢٢.
[ ٣٣١ ]
- الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)
قال في بيان معتقد السلف في أسماء الله وصفاته، فذكر بعض ما ورد منها في الكتاب والسنة ثم قال: (وقال رسول الله - ﷺ -: "لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض"، وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة"، وقال فيما بلغنا: "أن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم. قال: لا نعدم من رب يضحك خيرًا"، إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى: ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، و﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسماه
[ ٣٣٢ ]
على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف) (١) اهـ.
- الإمام سلام بن أبي مطيع أبو سعيد الخزاعي (١٦٤ هـ)
قال هدبة: قال سلام بن أبي مطيع: (متى ينكرون من هذه الأحاديث شيئًا، فإنهم لا ينكرون شيئًا إلا في القرآن أبين منه، إنه ﴿سميع بصير﴾ الأعراف٢٠٠، وإنه ﴿السميع العليم﴾ الأنعام١٣، ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف١٤٣، ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،، فما زال يقول حتى غربت الشمس) (٢) اهـ.
- الإمام إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلى (٢٣٦ هـ)
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي يقول: (من زعم إن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى، وذكر الأشياء من هذه الصفات، فهو كافر بالله بهذا ندين الله ﷿) (٣) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٢٥.
(٢) رواه ابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٨).
(٣) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨١) وابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٩) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٥٤).
[ ٣٣٣ ]
- مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري المدني (٢٣٦ هـ)
قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله ﷿ أخبرنا أن له وجهًا ويدين ونفسًا، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر.) (١) اهـ.
- الإمام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ)
قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن احمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:
هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق
_________________
(١) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ٣٩٢).
[ ٣٣٤ ]
والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين) (١) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ١٦٢.
[ ٣٣٥ ]
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وعلم، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (١) اهـ.
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه - ﷺ - أمته ..) إلى أن قال: (وذلك نحو إخبار الله تعالى
_________________
(١) الرد على المريسي (١/ ٤٢٨).
[ ٣٣٦ ]
ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يمينًا لقوله: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهًا لقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧. وأن له قدمًا لقول رسول الله - ﷺ -: "حتى يضع الرب قدمه فيها" يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي - ﷺ - للذي قُتل في سبيل الله: "إنه لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه". وانه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله - ﷺ -. وأنه ليس بأعور لقول النبي - ﷺ -، إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور".
وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غياية، وكما يرون القمر ليلة البدر، لقول النبي - ﷺ -.
وأن له أصابع، لقول النبي - ﷺ -: "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن".
فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله ﷿ بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا تُدرك حقيقة علمه
[ ٣٣٧ ]
بالفكر والروية) (١) اهـ.
وقال: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - ﷺ -. قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعًا بصيرًا في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر.) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.
وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.
_________________
(١) التبصير (ص١٣٤ - ١٣٥).
[ ٣٣٨ ]
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.
ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)
قال: (فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله ﷿ تكلم كلامًا أزليًا غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه. ووصف وجهه فقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، الآية. فأخبر عن فناء الوجوه وبقاء وجهه، ووصف نفسه بالسميع والبصير فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،، فأخبر أنه سميع من كل الجهات، لكل الأصوات، بصير بكل الأشياء من كل الجهات، لم يزل يسمع ويبصر، ولا يزال كذلك، ووصف عباده بالسمع والبصر المحدث المخلوق الفاني بفنائه التي تكل وتعجز عن جميع حقيقة المسموع والمبصر.
_________________
(١) المرجع السابق (ص١٤١ - ١٤٥).
[ ٣٣٩ ]
ووصف نفسه بالعلم والقدرة والرحمة، ومنحها عباده للمعرفة عند الوجود فيهم، والنكرة عند وجود المضاد فيهم، فجعل ضد العلم في خلقه الجهل، وضد القدرة العجز، وضد الرحمة القسوة، فهي موجودة في الخلق غير جائزة على الخالق، فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ووصف الله ﷿ نفسه بالعلم، وأنه يعلم كل شيء من كل الجهات، لم يزل ولا يزال موصوفًا بالعلم غير معلم، باق غير فان، والعبد مضطر إلى أن يتعلم مالم يعلم، ثم ينسى ثم يموت ويذهب علمه، والله موصوف بالعلم بجميع الأشياء من كل الجهات دائمًا باقيًا.
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله ﷿ بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله - ﷺ -، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.
_________________
(١) التوحيد (٣/ ٧ - ٩).
[ ٣٤٠ ]
وقال أيضًا: (ذكر بيان النهي عن تقدير كيفية صفات الله ﷿، والدليل على إثبات صفاته وأن الله وصف نفسه بالسمع، والبصر، واليمين، بترك التشبيه والتمثيل) (١) اهـ.
- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)
قال: (وقد قال وهو أصدق القائلين: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال: ﴿قل أي شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام١٩، وقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران٢٨، وقال: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ الحجر٢٩، وقال: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقال: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية الزمر٦٧، وقال: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦، وقال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥الآية، وقال: ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ الآية البقرة٢٥٥، وقال: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ الحديد٣،
_________________
(١) التوحيد (٣/ ٢١).
[ ٣٤١ ]
ومثل هذا في القرآن كثير، فهو ﵎ نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع، ويرى، ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه، فقال ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ الحديد٣، قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم) (١) اهـ.
- الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (٤١٨ هـ)
قال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا) (٢) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٦٤.
(٢) سبق تخريجه في حاشية ٢٥٨.
[ ٣٤٢ ]
- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)
قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)
قال الإمام الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٣٩ - ٤٠).
[ ٣٤٣ ]
سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.
وقال: (أن الله ﷿ سميع بصير، عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ويرون الرب ﷿ يوم القيامة عيانًا لا يشكون في رؤيته، ولا يختلفون ولا يمارون كذلك) (٢) اهـ.
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال: (.. فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم،
_________________
(١) سبق تخريجه في حاشية ٨٧.
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣٣).
[ ٣٤٤ ]
والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.
فرع: في تقرير ذلك من كلام أبي الحسن الأشعري
قد سبق نقل كثير من كلام أبي الحسن الأشعري في الصفات، وأنه كان يثبتها لله تعالى على ظاهرها، من غير تأويل، ولا تفريق بين صفة وأخرى. وأنا أذكر بعضها:
فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.
وأن له وجهًا كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.
_________________
(١) العلو (ص٢١٤).
[ ٣٤٥ ]
وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -) (١) اهـ.
وقال في "الإبانة": (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهًا لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهًا وعينًا، ولا تكيَّف ولا تحد.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٨).
[ ٣٤٦ ]
وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٣٩. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ) (١) اهـ.
_________________
(١) الإبانة للأشعري (ص١٠٤).
[ ٣٤٧ ]