نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله
وإليك بعض نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله:
- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)
روى الترمذي في سننه حديث النبي - ﷺ -: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ التوبة١٠٤، و﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ البقرة٢٧٦".
ثم قال: (هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عائشة عن النبي - ﷺ - نحو هذا. وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟
[ ٤١٣ ]
هكذا رُوي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف؟ ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.
- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: (نعبد الله بصفاته كما وصف به نفسه، قد أجمل الصفة لنفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك.
_________________
(١) سنن الترمذي (٣/ ٥٠).
[ ٤١٤ ]
نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته شناعة شنعت، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، عالم الغيوب، فهذه صفات الله وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد.
وقال: ﴿لا إله إلا هو الحي والقيوم﴾ البقرة٢٥٥، ﴿لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ الحشر٢٣، هذه صفات الله وأسماؤه، وهو على العرش بلا حد.
وقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤، كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة.
﴿ليس كمثله شيء﴾ كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير.
قلت لأبي عبد الله: والمشبهة ما يقولون؟
قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا كلام سوء، والكلام في هذا لا أحبه.) (١) اهـ.
وهذا كما ترى صريح في أن إثبات الصفات لله ليس تشبيهًا، وإنما التشبيه قياسها بالمخلوق. وفيه إثبات أيضًا إثبات اتصاف الله تعالى بالقَدَم واليد، وأن هذا لا يستلزم تشبيهًا.
- أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ)
سئل أبو زرعة الرازي عن قول الله ﷿: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة١١٦؟
قال: (لا يقال نفس كنفس لأنه كفر، وقال: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، أن الله ﷿ خلق آدم بيده، ولا يقال: يد مثل يد ولا يد كيد لأنه كفر، ولكن نؤمن بهذا كله. وسئل أبو زرعة: أيجوز أن يقال للرب ﷿ يدين ورجلين، قال: يقال كما جاء في الخبر وهكذا ما جاء في الأخبار مثل هذا. وسئل عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين) فقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث ..) (٢) اهـ.
_________________
(١) الإبانة لابن بطة (٣/ ٣٢٦).
(٢) التوحيد (٣/ ٣٠٩).
[ ٤١٥ ]
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)
قال في بيان جهل المعطلة بمعنى التشبيه: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى - ﷺ -، ونقول: كلتا يدي ربنا ﷿ يمين، على ما أخبر النبي - ﷺ -، ونقول: إن الله ﷿ يقبض الأرض جميعًا بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشًا له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين - إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهًا يد الخالق بيد المخلوقين؟ ..) (١) اهـ.
- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (فقال لي: أنتم المشبهة. فقلت: حاشا لله، المشبه الذي يقول: وجه كوجهي، ويد كيدي، فأما نحن فنقول: له وجه كما أثبت لنفسه وجهًا، وله يد كما أثبت لنفسه يدًا، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير ومن قال هذا فقد سلم.) (٢) اهـ.
_________________
(١) كتاب التوحيد (٨٣ - ٨٥).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥).
[ ٤١٦ ]