نصوص السلف الدالة على جواز السؤال عن الله بـ: أين؟
ومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث:
- سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (١٤٣ هـ)
قال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله ﵎؟
قلت: في السماء.
فإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟
قلت: على الماء.
فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟
قلت: لا أدري) (١) اهـ.
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله
_________________
(١) رواه اللالكائي (٣/ ٤٠١) وأورده الذهبي في العلو (ص١٣٠).
[ ٤٥٩ ]
بـ"أين": (وصرحت أيضًا بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء.
فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: ﴿عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين﴾ التكوير٢٠، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله ﴿ثم﴾ لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم.
وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه - ﷺ - قد أينه فقال للأمة السوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وكذلك أينه رسول الله - ﷺ - وخليله إبراهيم أنه في السماء) إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم) (١) اهـ.
_________________
(١) الرد على المريسي (١/ ٤٨٩).
[ ٤٦٠ ]
فتأمل قوله في أن المنع عن السؤال بأين، هو أصل الجهمية!!
- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
قال بعد روايته لحديث الجارية: (اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:
أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟ وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء.
والثاني: قوله "اعتقها فإنها مؤمنة".
أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأن النبي - ﷺ - قال لها "أين الله؟ "، فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقرها على ذلك، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك لم يقرها عليه ) إلى أن قال: (وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خرجه في "الرد على الجهمية" ..) (١) اهـ.
- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)
قال في بيان موافقة الأشاعرة للجهمية: (فاسمعوا يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء -أي الأشاعرة- على أولئك
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٢٣٢).
[ ٤٦١ ]
-أي الجهمية-، أولئك قالوا: -قبح الله مقالتهم- إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين.
وقد قال المبلغ عن الله ﷿ لجارية معاوية بن الحكم - ﵁ -: "أين الله".) (١) اهـ.
- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)
قال بعد روايته لحديث الجارية: (ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يُقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟) (٢) اهـ.
- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال بعد ذكر حديث الجارية: (وهكذا رأينا كل من يُسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:
إحداهما: شرعية، قول المسلم أين الله.
وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.
_________________
(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٣٥).
(٢) عقائد أئمة السلف (ص٧٥).
[ ٤٦٢ ]
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى - ﷺ -) (١) اهـ.
فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في "الإبانة" في باب ذكر الاستواء على العرش: (دليل آخر:
وروت العلماء ﵏ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله ﷿ حتى يسأله عن عمله).
وروت العلماء أن رجلا أتى النبي - ﷺ - بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟
فقال لها النبي - ﷺ -: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: أعتقها فإنها مؤمنة.
وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء ..) (٢) اهـ.
_________________
(١) العلو (ص٢٨).
(٢) الإبانة للأشعري (ص١٠٣).
[ ٤٦٣ ]
فرع: تقرير هذا الأصل من قول عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان
قال فى كتاب "الصفات" فى باب القول فى الاستواء فيما نقله عن ابن فورك: (فرسول الله وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعًا به يجيز السؤال بأين، ويقوله يستصوب قول القائل إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله ﷿ محدود وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان دون مكان، لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له.
قال: ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عنه عربيًا ولا عجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أوما
[ ٤٦٤ ]
بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلًا معه نعوذ بالله من مضلات الفتن) اهـ.
ثم قال ابن فورك: فقد حقق ﵀ في هذا الفصل شيئًا من مذاهبه، أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه، والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال: في السماء، والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة) (١) اهـ.
_________________
(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ١٩٣) وفي نقض التأسيس (ص٥١ - ٥٣) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٣١٩) ونقله ابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٣٨) وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٨٢).
[ ٤٦٥ ]