الأمر الثاني: بطلان ما ادعاه الأشعريان والأشاعرة من التفريق بين الصفات في الإثبات، حيث فرقوا بين صفات المعاني السبع وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والقدرة، والحياة، فأثبتوها على ظاهرها وحقيقتها، وبين باقي الصفات كاليد، والوجه، والنزول، والمحبة، والرضا، ونحوها من الصفات، فسلطوا عليها سهام التأويل، ومنعوا من حملها على ظاهرها وحقيقتها.
[ ٣٤٨ ]
قال الأشعريان في علة التفريق (ص١٩٣ - ١٩٤): (فالأولى منها - أي ما سوى الصفات السبع - أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها العضو والجسم الذي وضعت للدلالة عليه، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى الله تعالى قطع العارف بالله أن ذلك المعنى المتبادر والظاهر من اللفظ محال هنا ومنفي عن الله تعالى وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز، وذلك كلفظ (اليد، والأصبع، والقدم، والساق، والوجه، والضحك، والاستواء، والنزول) ونحوها من الألفاظ التي ترجع حقائقها المتبادرة منها إلى الحس.
أما الثانية منها وهي التي ترجع إلى المعنى مثل القدرة والإرادة السمع والبصر ونحوها فلا يلزم من حملها على ظاهرها وحقيقتها مشابهة، لأنها معان مجردة وحقائقها واسعة، فإذا أضيفت للخالق كان لها حقيقة لائقة به تعالى، وإذا أضيفت للمخلوق كانت لها حقيقة لائقة به، ولهذا لم يضطر العلماء إلى صرفها عن ظاهرها) اهـ.
وهذا كلام متناقض وباطل لأمور:
أولها: أنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات مثل ما يلزمهم فيما نفوه منها، فالسمع مثلًا: لا يُعرف في المخلوق إلى بجارحة الأذن، فيلزم بناءًا على أصلهم وقاعدتهم أن إثبات السمع لله تعالى يلزم منه الجارحة، وكذلك إثبات البصر يلزم منه العين والحدقة والأجفان
[ ٣٤٩ ]
ونحو ذلك من الجوارح، وإثبات الكلام يلزم منه الفم واللسان واللهاة، وهي جوارح، وهكذا في كل الصفات السبع.
وقد نقل الأشعريان عن ابن خلدون ما يؤكد هذا.
فقالا (ص١٩٨): (وقال العلامة ابن خلدون: وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر، لأنها وإن أوهم ظاهرها النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والأصوات وأما السمع والبصر وإن كان يوهم إدراك الجارحة ) اهـ.
فها هو ابن خلدون يقرر أن إثبات الصفات السبع يستلزم الجارحة، مما يبين بطلان ما ادعوه من الفرق!.
[ ٣٥٠ ]
بل نقول أنه لا يوجد في الشاهد ما هو متصف بالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، إلا ما هو جسم - على حسب تعريفهما للجسم -، فهلا استلزم إثبات هذه الصفات الجسمية لله تعالى.
فإن قالوا: لا يلزم فيما أثبتناه لله تعالى من الصفات ما يلزم من صفات المخلوق، بل نثبتها على حقيقتها اللائقة بالله مع نفي المماثلة.
قلنا: قولوا إذًا فيما نفيتموه مثل ما قلتم فيما أثبتموه، فأثبتوا وجهًا لله تعالى صفة له لا يشبه وجوه المخلوقين، وأثبتوا ضحكًا له تعالى لائقًا به لا يشبه ضحك المخلوق. وإلا كنتم متناقضين!!
[ ٣٥١ ]
قال الملا على القاري الحنفي في إبطال التفريق بين الصفات في الإثبات: (ويقال لمن تأول الغضب ويقال لمن تأول الغضب بإرادة الانتقام، والرضى بإرادة الإنعام والإكرام، لم تأولت ذلك الكلام؟
فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى.
فيقال له: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الحي، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا مائل إلى ما يجلب له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفت عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك.
فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.
قيل له: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، فإن كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يُقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضًا من تعطيل معنى
[ ٣٥٢ ]
أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يُثبت شيئًا على خلاف ما يعهده حتى في صفى الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضًا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدرًا مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركًا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) (١) اهـ.
الأمر الثاني: أن كثيرًا مما تأوله الأشاعرة والأشعريان من الصفات وصرفوه عن ظاهره راجع إلى المعنى: كالمحبة، والرضا، والمقت، والفرح، وقد زعموا أنهم إنما أثبتوا الصفات السبع لكونها راجعة إلى المعنى.
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر (ص٩٥ - ٩٦).
[ ٣٥٣ ]
فيقال لهم: فهلا أثبتم هذه الصفات وحملتموها على ظاهرها وحقيقتها اللائقة بالله تعالى من غير تشبيه.
فإن امتنعوا تناقضوا، وبطل ما زعموه من الفرق بين ما أثبتوه من الصفات وما نفوه، وصار تفريقهم بين الصفات في الإثبات تحكمًا محضًا!!
الأمر الثالث: أنهم يثبتون ذاتًا لله تعالى حقيقة لا تشبه ذوات المخلوقين، ولا يلزم من إثباتها عندهم ما يلزم من ذوات المخلوقين، ومعلوم أن الذات ليست من الأمور التي ترجع إلى المعاني، بل إلى ما يتعلق بالحس.
فيلزمهم بناءًا على قاعدتهم في التفريق بين الصفات أن يكون وصف الله بالذات مستلزمًا للتشبيه والنقص.
فإن قالوا: بل نثبت ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، ولو كانت مما يتعلق بالحس.
قلنا: أثبتوا إذا يدًا، ووجهًا، ونزولًا، لا يشبه صفة المخلوق، وإلا كنتم متناقضين.
الأمر الرابع: أن ما سبق ذكره من الأدلة، ومن كلام السلف الصريح كافٍ بحمد الله في إبطال هذا التفريق المزعوم، وعدم اعتباره.
[ ٣٥٤ ]
ثم قال الأشعريان مؤكدين لما ذكراه من التفريق (ص١٩٤): (ومما يعضد هذا القول -أي التفريق بين الصفات السبع وغيرها- أنه لم ينقل عن أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم أنه قال في شيء من صفات المعاني: أمروها بلا كيف، أو لا تُفسر ولا تُكيف .. الخ وما هذا إلا لفطنتهم لهذا الفارق بين النوعين من الألفاظ) اهـ
وهذا من جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه، فإن قاعدة السلف في جميع الصفات واحدة، لا يقال كيف؟ ولا لم؟.
قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (١) اهـ.
وقال عثمان الدارمي: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (٢) اهـ.
وقال أيضًا: (ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف) (٣) اهـ
وقال الأزهري صاحب اللغة: (فهو سميع: ذو سمع بلا تكييف، ولا تشبيه بالسميع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصفه بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف) (٤) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ١٣٨.
(٢) الرد على المريسي (١/ ٤٢٨).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٦٨٨).
(٤) تهذيب اللغة (٢/ ١٤٢).
[ ٣٥٥ ]
وقال السجزي: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل) (١) اهـ.
وقال الذهبي: (وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) (٢) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٨٧.
(٢) العلو (ص٢٥٣).
[ ٣٥٦ ]
وانظر أيضًا كلام ابن جرير، والخطابي، ومعمر الأصبهاني، وغيرهم.
وهذا يدل على مجازفة الأشعريَّيْن في إطلاق الدعاوى العريضة دون أن يكونا على بينة من أمرهما، وهذا دأب أهل البدع عمومًا.
[ ٣٥٧ ]