وبهذا يتبين خطأ الأشعريين حين ذكرا أن مراد السلف بقولهم في الصفات "بلا كيف"، نفي المعنى، وأن الكيفية يعبر بها عن المعنى.
فقالا (ص١٤٨): (وقوله -أي الترمذي- "ولا يقال كيف" أي: بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد منها، وبه يفارقون أهل التشبيه) اهـ.
[ ٢٣٦ ]
وقالا أيضًا (ص١٥١): ("بلا كيف" عبارة المقصود منها زجر السائل عن البحث والتقصي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!) اهـ.
وقالا (ص١٥٢): (من هنا يتبين مراد السلف بقولهم "بلا كيف"، ومنه تعلم أن من ينسب إلى السلف إثبات المعاني الحقيقية لهذه الألفاظ والتفويض في كيفياتها ينسب إليهم التشبيه من حيث لا يدري) اهـ.
فالذي استنكراه هنا واستبعداه هو عين مذهب السلف كما قررناه في هذا الفصل، وهو إثباتهم لمعاني الصفات وتفويضهم لكيفياتها، وأما على ما ذكراه فيكون جميع السلف مشبهة في حكم الأشعريّيْن ابتداءًا من الصحابة وإلى يومنا هذا!!
وليت الأشعريّيْن وقفا عند هذا الحد، ولكنهما تجاوزاه إلى أمر لا ينقضي منه العجب، فزعما أن السؤال عن الكيف لغةً: هو السؤال عن المعنى.
قالا (ص١٥٢): (فيقول أنهم -أي السلف- يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، فإن حقائق هذه الألفاظ كيفيات، فكيف يزعم إثبات معانيها وتفويض كيفياتها؟! ) إلى أن قالا: (فعندما يقال في جواب السائل "بلا كيف" يفهم منه أنه "بلا معنى" لأن لفظ الـ"كيف" هنا مستفهم به عن المعنى) اهـ.
[ ٢٣٧ ]
ولا ريب أن هذا كذب على اللغة والشرع والعقل:
أما كونه كذبًا على اللغة: فلأن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن الحال والكيفية والماهية.
قال في مختار الصحاح في معنى "كيف": (وهو للاستفهام عن الأَحوال، وقد يقع بمعنى التعجب) (١).
وأما الاستفهام عن المعنى فيكون بـ "ما" فيقال: ما معنى كذا؟ أو ما المراد بكذا؟ ونحو ذلك.
فليت شعري بأي لغة وجدوا أن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن المعنى.
أما كونه كذبًا على الشرع فلأمور:
أولها: أن نصوص الكتاب والسنة وعبارات السلف صريحة في إثبات معاني الصفات، وأنها مفهومة معلومة كما سبق نقل بعض كلامهم في هذا. ومن أشهرها تفسيرهم لمعنى الاستواء لله تعالى، وتصريحهم بفوقية الله تعالى على خلقه.
الأمر الثاني: أن هذا القول يستلزم استجهال النبي - ﷺ - واستجهال سلف الأمة، وكونهم لا يعلمون معاني ما أنزل الله ﷿ عليهم، وأمرهم بتدبره وتعقله، وتعرّف إليهم به، وحينئذ
_________________
(١) مختار الصحاح/ مادة "كيف".
[ ٢٣٨ ]
يكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم النبي - ﷺ - معناه، ولا الصحابة، ولا من بعدهم.
ولا ريب أن هذا قدح في القرآن أولًا حيث لم يكن تبيانًا لكل شيء، ولم يكن هدىً للناس، ولا بلاغًا مبينًا. وقد قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ إبراهيم٤.
وقدح في الرسول - ﷺ - ثانيًا حيث لم يكن عالمًا بأشرف ما في كتاب الله تعالى من الإخبار عن الرب وعن صفاته وأفعاله.
وبناءًا عليه فيكون الهدى في هذا الباب لا يؤخذ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من الصحابة وسلف الأمة، ولكنه يؤخذ من أفواه المتأخرين الحيارى المتناقضين في أسماء الله وصفاته. سبحانك هذا بهتان عظيم.
ولما رأى الأشعريان أن هذا لازم لقولهما لا محالة، راما الخروج منه بطرق ملتوية عادت بهم إلى نفس الطريق الذين ابتدأوا منه.
فقالا في الجمع بين النقيضين (ص١٥٣): (يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارضًا بين إدراك معاني هذه النصوص، وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلًا وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا
[ ٢٣٩ ]
لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالًا) ثم ذكرا مثالًا فقالا: (مثال على هذا قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، المائدة٦٤،يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.
وهذا الجمع المزعوم لا يرفع الإشكال والتناقض، إذ كان من المعلوم أن هذه المعاني المجازية، كما لليد مثلًا، متباينة في نفسها، ومختلفة في معانيها وحقائقها، فقد يراد باليد النعمة، وقد يراد بها القدرة، وقد يراد بها النصرة، وقد يراد بها الملك، وقد يراد بها التصرف، فإذا توقف السلف عن تحديد مراد الله منها مع تباينها، رجع الأمر إلى الجهل بالمعنى على الحقيقة، وعدم الفهم لكلام الله تعالى، وهو عين ما أرادا التنصل منه، والتبرء من لزومه. فتأمل!!