فقد قالا عمن يثبت صفات الله على ظاهرها من غير أن يُلزموها لوازم صفات المخلوق (ص١٩٢): (وكونهم لا يُقرّون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.
وهذا كلام ظاهر البطلان والفساد شرعًا وعقلًا ولغةً لأمور كثيرة:
أولها: ما سبق تقريره من كلام السلف في بطلان هذا الأمر، وأنه لا يلزم من صفة الله تعالى ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الإضافة تقطع التشبيه والاشتراك. وهو كاف في بطلان دعواهما.
الأمر الثاني: أن هذا تأباه اللغة، لأن الصفة تابعة للموصوف، فإذا قلنا: وجه زيد، ووجه عمرو، لم يكن الوجهان متماثلين بوضع اللغة، وإنما عُلم التماثل والتقارب بالمعاينة والمشاهدة، لأن الصفة للموصوف ولا اشتراك في ذلك، وإنما يقع الاشتراك في أصل الصفة، وهو أمر موجود في الأذهان لا في الأعيان، ولذلك لا يُفهم من قول القائل: وجه زيد، ووجه الماء، تماثلٌ ولا تشابهٌ، لأن
[ ٣٩٠ ]
الإضافة قاطعة للاشتراك، مع كون زيدٍ والماء مخلوقين، فالتباين بين وجه الخالق ووجه المخلوق أعظم وأعظم.
قال ابن الزاغوني في "الإيضاح" في تقرير قاعدة مهمة: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يُعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا، والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر
[ ٣٩١ ]
وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي) (١) اهـ.
وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ﷿، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (٢) اهـ.
الأمر الثالث: أن الصفات التي يزعم الأشعريان أنه يلزم منها الجسمية والحد كالنزول، والمجيء، والوجه، واليد، ونحوها، يتصف بها ما ليس بجسم.
_________________
(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٢) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٧ - ٣٨).
(٢) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).
[ ٣٩٢ ]
فيقال: وجه الأمر، ووجه الماء -والماء ليس جسمًا لغة وسيأتي الكلام على معنى الجسم والجسمية-، ويقال: نزول البائع بالثمن، ومجيء الشتاء، ويد الليل، ونحو ذلك، وهذه الأمور ليست أجسامًا لا لغةً ولا في اصطلاح أهل الكلام والأشاعرة، ومع ذلك صح وصفها بالمجيء، والنزول، والوجه، واليد، وهذا يبطل دعوى لزوم الجسمية لمن اتصف بهذه الصفات.
الأمر الرابع: أن دعوى الجسمية، وتنزيه الله عنها يحتاج إلى تحرير معنى الجسم، وهل هذا اللفظ مما يصح إثباته أو نفيه عن الله تعالى؟