وإنما ينكر السلف التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، ولذلك تراهم يعقبون إثباتهم للصفات بقولهم "بلا كيف"، مع إنكارهم أيضًا على من ينفي الصفات، أو يحرفها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام فيخرجها عن حقيقتها، فربما قالوا "ويكلون علمها إلى قائلها" أو "بلا معنى" أي: المعاني الباطلة التي
[ ٢٣٢ ]
يصرف بها المعطلة صفات الله عن ظواهرها، فيعطلون المعنى الصحيح ويستبدلونه بالمعاني المجازية.
والسلف أثبتوا الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه فكانوا فيها وسط بين فريقين: المشبهة من جهة، فلذلك قالوا "بلا كيف"، والمعطلة من جهة فلذلك قال بعضهم "بلا معنى" أو "من غير تفسير".
قال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: (سألت أبا عبد الله -أي الإمام أحمد- عن الأحاديث التي تُروى "إن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" و"أن الله يرى" و"إن الله يضع قدمه" وما أشبهه؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله - ﷺ - قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث) (١) اهـ.
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٣٢.
[ ٢٣٣ ]
فقول الإمام أحمد: "ولا كيف"، رد على المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، أو يكيفونها في أذهانهم.
وقوله: "ولا معنى"، رد على المعطلة الذين ينفون عن الله تعالى حقائق الصفات، ويحرفونها عن معانيها إلى معان مجازية باطلة.
فصار كلامه موافقًا للسلف جامعًا بين الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل.
ويؤكد ذلك تتمة كلامه الذي قرر فيه إثبات الصفات لله تعالى ونفي التشبيه والتعطيل.
وقوله: "ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث" ظاهر في إثبات معنى الصفات لله تعالى، وأنها ثابتة لله لا تُزال عنه لأجل شناعة المعطلة الذين يلزمونها لوازم صفات المخلوق، ويزعمون أن إثباتها يستلزم التشبيه.
بل كل كلام الإمام أحمد المنقول عنه في هذا الباب مما نقلنا بعضه صريح في إثبات معاني الصفات، وإبطال التفويض المزعوم، وقد كان يرد وينكر تأويلات المعطلة الذين يتأولون صفات الله تعالى ويصرفونها عن ظاهرها إلى معان باطلة، وصنف كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا.
[ ٢٣٤ ]
وأهل التكييف يثبتون لصفاته تعالى كيفية معينة. فنفى الإمام أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء. قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.
وقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وفي لفظ "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافق لقول الباقين من الأئمة والمعروف عن السلف من قولهم عن آيات الصفات (أمروها كما جاءت بلا كيف). فإنهم إنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد فقط من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فان الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
ومن المعلوم أيضًا أنه لا يُحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يُفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، فإن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم، فلو قال قائل: ما فهمت كلام زيد، لفُهم منه أن القائل قد سمع كلامًا لزيد، لكنه لم يفهمه، فإن الفهم أخص من السمع، فلما نُفي الأخص، دل على ثبوت الأعم. والكيفية أخص من المعنى، فلما نفى السلف الكيفية، دل ذلك على علمهم بالمعنى. وإلا فإن من ينفى الصفات الخبرية
[ ٢٣٥ ]
أو الصفات مطلقًا لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف"، فمن يقول: إن الله لا ينزل، أو أن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.