ثالثًا: بطلان قول الأشاعرة في إنكار علو الله تعالى بذاته على عرشه، وتأويلهم له بعلو القهر والغلبة والقدر، وأنهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع، موافقون للجهمية والمعتزلة.
قال البيجوري في شرح الجوهرة في شرح قول الناظم "ويستحيل ضد ذي الصفات في حقه كالكون في الجهات": (فليس -أي الله ﵎- فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ..) (١) اهـ.
وقال الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد": (ندعي - أي
_________________
(١) شرح جوهرة التوحيد (ص١٦٣).
[ ٤٥٤ ]
الأشاعرة - أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست، ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه وذلك محال ) ثم أجاب عن هذا مؤكدًا عدم امتناع اتصاف الله بما ذُكر (١).
وقال الشهرستاني في "نهاية الإقدام في علم الكلام": (فإنا نقول: ليس بداخل العالم ولا خارج) (٢) اهـ.
وقال التفتازاني: (وإذا لم يكن -أي الله تعالى- في مكان: لم يكن في جهة، لا علو، ولا سفل، ولا غيرهما ..) (٣) اهـ.
وقال الأشعريان (ص١٣٩): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه - أي علو الله تعالى على خلقه علوًا بمعنى الفوقية والارتفاع - أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي - قطعًا وباتفاق علماء السلف والخلف - مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٧٤ - ٨١).
(٢) نهاية الإقدام على علم الكلام (ص٦٧).
(٣) شرح العقائد النسفية (ص٣٢ - ٣٣).
[ ٤٥٥ ]
هذا معتقد القوم في الله ﵎ عما زعموه علوًا كبيرًا، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيرًا من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجًا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجًا عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين) (١) اهـ.
وهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه.
ولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:
_________________
(١) العلو (ص٢٦٨).
[ ٤٥٦ ]