والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغوًا.
وهذه العبارة ترد كثيرًا عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (٦/ ٢٦٩٨)، وقال الحافظ (الفتح ١٣/ ٤٠٥): وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. اهـ
(٢) رواه اللالكائي (٣/ ٤٣١)
[ ١٦٨ ]
فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمنًا فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - أمرّوها) (١).
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. - إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) (٢) اهـ.
فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم
_________________
(١) رواه ابن الأعرابي في معجمه (١/ ٩٥،٢٩٢) وتمام في فوائده (١/ ٧٢).
(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).
[ ١٦٩ ]
دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعًا أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.
وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي - ﷺ - من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله - ﷺ - صحيح، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي - ﷺ -، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا ..) (١) اهـ.
وهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.
وقال أيضًا في الرسالة ذاتها: ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها ..) (٢) اهـ.
ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي - ﷺ - لعلي: «من كنت
_________________
(١) أصول السنة للإمام أحمد (ص٢٤ - ٢٥) ورواها اللالكائي (١/ ١٥٦).
(٢) المرجع السابق (ص٥٦ - ٥٩).
[ ١٧٠ ]
مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء».
وقال الخلال أيضًا: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي - ﷺ - لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (١) اهـ.
وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.
قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي - ﷺ - حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (٢) اهـ.
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)
وقال أيضًا: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.
_________________
(١) السنة للخلال (١/ ٣٤٧).
(٢) جزء رفع اليدين للبخاري (ص٣٨).
(٣) سبق تخريجه حاشية ٢٣.
[ ١٧١ ]
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!.
وقال أيضًا في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.
وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.
- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)
سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
_________________
(١) سبق تخريجه حاشية ٢٤.
[ ١٧٢ ]
فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغرًا، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، وذكر فصلًا طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) (١) اهـ.
وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) (٢) اهـ.
فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.
وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب ﵎ فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.
_________________
(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٦٣) واللالكائي (٣/ ٥٠٢) والذهبي بإسناده من طريق الأثرم (السير ٧/ ٣١٢) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الأثرم في السنة وإبي عمرو الطلمنكي كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢ - ٤٦) وأورده الذهبي في العلو (ص١٤١).
(٢) السير (٧/ ٣١٢).
[ ١٧٣ ]
- إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ)
- إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (١٦١ هـ)
- إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (١٧٥ هـ)
- إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (١٧٩ هـ)
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (١) اهـ.
وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال:
_________________
(١) رواه الآجري في الشريعة (ص٣٢٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٤١) والدارقطني في الصفات (ص١٧٢) والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص٦٨) واللالكائي (٣/ ٥٢٧) وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٥١٣) والبيهقي في سننه (٣/ ٤) وفي الأسماء والصفات (ص٥٦٩) وفي الاعتقاد (ص١٢٣) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية للخلال في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).
[ ١٧٤ ]
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) (١) اهـ.