وليس من ذلك ما ذكره الله عن نفسه من نسيانه لمن نسي أمره، ومن استهزائه بمن يستهزء بأوليائه، ومن مكره بمن مكر بهم.
قال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ التوبة٦٧.
وقال تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ البقرة١٥.
[ ٢٤٥ ]
وقال تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ الأنفال٣٠.
فليس المراد بالنسيان في الآية الجهل بالشيء الذي هو ضد الذكر والحفظ، بل هو الترك.
قال في مختار الصحاح: (والنِسْيانُ بكسر النون وسكون السين ضد الذُّكر والحفظ، ورجل نَسْيَانُ بفتح النون كثير النِسيان للشيء، وقد نَسِيَ الشيء بالكسر نِسْيَانا وأَنْسَاهُ الله الشيء وتَنَاسَاهُ أرى من نفسه أنه نسِيه، والنِّسْيَانُ أيضا الترك قال الله تعالى ﴿نسُوا الله فنسِيهم﴾ التوبة٦٧، وقال ﴿ولا تنسَوُا الفضل بينكم﴾ البقرة٢٣٧) (١) اهـ.
والآية ظاهرة في هذا المعنى، إذ أن النسيان الذي توعدهم الله عليه في قوله ﴿نسوا الله﴾ التوبة٦٧، ليس المراد به ضد الذكر، وإلا لم يؤاخذوا عليه، وإنما هو تركهم لما أمرهم الله عمدًا، فصار جزاؤهم أن يترك الله تعالى رحمتهم وحفظهم.
وأما الاستهزاء والمكر فليس مذمومًا إلا في حال الأمن، وأما إذا كان في مقابل من يمكر ويستهزئ فإنه يكون ممدوحًا، فالله تعالى إنما يستهزئ ويمكر ويكيد بمن يكيد بدينه وأوليائه.
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا
_________________
(١) مختار الصحاح/ مادة "نسو".
[ ٢٤٦ ]
قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنما نحن مستهزئين. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ البقرة١٥ - وهو من يزعم الأشعريان أنه أشعري-: (اختلف في صفة استهزاء الله ﷻ الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم.
فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى﴾ الآية الحديد١٣، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ آل عمران١٧٨، فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال إن فلانًا ليهزأ منه اليوم ويسخر منه، يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه إياهم وتدميره بهم، وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية.
[ ٢٤٧ ]
وقال آخرون: قوله ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ البقرة٩، على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ آل عمران٥٤، ﴿والله يستهزئ بهم﴾ البقرة١٥، على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله ﴿إنما نحن مستهزؤون. الله يستهزئ بهم﴾ البقرة١٥، وقوله ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ البقرة٩، وقوله ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ التوبة٧٩، و﴿نسوا الله فنسيهم﴾ التوبة٦٧، وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ الشورى٤٠، ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله ﵎ معصية، وأن الأخرى عدل لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية، فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفًا المعنى، وكذلك قوله ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ البقرة١٩٤، فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء لا ظلم بل هو عدل لأنه عقوبة للظالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأول،
[ ٢٤٨ ]
وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر عن مكر الله جل وعز بقوم وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد - ﷺ - وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد ﵊ وما جاء به مستهزءون،
يعنون إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي لهم عنده في الآخرة كما أظهروا للنبي - ﷺ - والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزيء به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر،
وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح
[ ٢٤٩ ]
عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله ﷿ بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله ﷻ مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل
كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلًا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئًا وساخرًا ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
[ ٢٥٠ ]
وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس - ﵁ - حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس - ﵁ - في قوله ﴿الله يستهزئ بهم﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره ﴿الله يستهزئ بهم﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون على الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه وأوجبه لها، وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه، فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به.
ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله،
[ ٢٥١ ]
فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله ﷿ منفي.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، ومكر الله بهم، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية، فإن قال: لا، كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، يلعب الله بهم، ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث، فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه، وإن قال: لا أقول يلعب الله به، ولا يعبث، وقد أقول: يستهزئ بهم، ويسخر منهم، قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث والهزء والسخرية والمكر والخديعة،
ومن الوجه الذي جاز قيل هذا، ولم يجز قيل هذا، افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه ..) (١) اهـ.
فتأمل كيف أثبت ابن جرير ﵀ صفة المكر والاستهزاء لله
_________________
(١) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٢ - ١٣٤).
[ ٢٥٢ ]
تعالى على الوجه اللائق به، وأبطل قول جميع من تأولها وأخرجها عن ظاهرها.
وبهذا يتبين جهل الأشعريين حيث جمعا بين نفي المرض ونفي المكر والنسيان والاستهزاء.
فقالا (ص٢٤٢): (أتراهم يثبتون ظواهرها فيقولون: نثبت لله نسيانًا حقيقيًا ومكرًا حقيقيًا وخداعًا حقيقيًا واستهزاءًا حقيقيًا ومرضًا حقيقة كل ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!) اهـ.
فالجواب: إي لعمري، نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت أنه يستهزئ بالمستهزئين، ويمكر بالماكرين، ويخادع الخادعين، وينسى التاركين لدينه، وأما المرض فالله ﵎ منزه عنه، فأين ما أثبته الله لنفسه مما لم يثبته، وأين صفة الكمال من صفة النقص.!!
الأمر الثاني: أن قول العبد "كيف أعودك؟ " ونحوها، إنما هو استفسار عن كيفية أمر من فعل العبد نفسه، وهو عيادته لربه وإطعامه ونحوه، ولم يكن سؤاله عن صفة ربه تعالى.
فأين هذا المثال؟ من صفة الرب ﵎ التي تعرّف بها إلى عباده كحبه، وضحكه، واستوائه، ونزوله، ويديه، ووجهه، ونحو ذلك من كمالاته، وعظيم فعاله، وجميل نعوته وصفاته ﵎.
[ ٢٥٣ ]