فَعَل ذلك باجتهاده خشية أن يتوهَّم جاهلٌ أنَّ الخطاب على حقيقته. أما الصلاة على النبي - ﷺ - فالتحقيق أنها موجودة في التشهدات كلها بلفظ «ورحمة الله» والقائل بوجوبها عقب التشهد بلفظ الصلاة لم يجعلها من التشهد بل هي عنده أمر مستقل. والكلام في ذلك معروف، لا علاقة له بالرواية بالمعنى.
[ص ٥٨] قال أبو ريَّة ص ٦٤: (وكلمة التوحيد)، وذَكَر ما لا علاقة له بالرواية بالمعنى.
ثم قال ص ٦٦: (حديث الإسلام والإيمان) فذكر عن «صحيح مسلم» (^١) حديث طلحة: «جاء رجل من أهل نجد»، وحديث جبريل برواية أبي هريرة (^٢)، وحديث أبي أيوب: «جاء رجل إلى النبي فقال: دلَّني على عمل الخ» (^٣)، وحديث أبي هريرة: «أن أعرابيًّا جاء الخ» (^٤). ثم ذكر عن النووي: «اعلم أنه لم يأت في حديث طلحة ذكر الحج، ولاجاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غير [هذا من] هذه الأحاديث لم يُذكر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكِر في بعضها صِلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس. ولم يقع في بعضها ذِكْر الإيمان وقد أجاب القاضي عياض وغيره ﵏ بجواب لخَّصه أبو عمرو ابن الصلاح وهذَّبه فقال: « هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصَّر
_________________
(١) رقم (١١)، وهو في البخاري (٤٦).
(٢) أخرجه مسلم (٩، ١٠).
(٣) أخرجه مسلم (١٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).
[ ١٢ / ١١٣ ]
فاقتصر على ما حفظه » (^١).
أقول: أما هذه الأحاديث فلا يتعيَّن فيها ذاك الجواب بل لا يتَّجِه، فإن واقعة حديث جبريل لا علاقة لها ببقية الأحاديث، وذكر الإيمان فيه؛ لأن جبريل أراد بيان جمهرة الدين، وبقية الأحاديث ليس بواجب أن يُذْكَر فيها الإيمان اكتفاء بعلم السائل به، مع أن في (^٢) ما ذكر له ما يستلزمه. وحديث طلحة وحديث أبي هريرة في الأعرابي، يظهر أنها واقعة واحدة يحتمل أنها وقعت قبل أن ينزل فرض الحج، فلذلك لم يذكر، وحديث أبي أيوب يحتمل أن يكون واقعة أخرى وقعت قبل فرض الحج والصوم، فلذلك لم يُذكرا فيه. وأما صلة الرحم وأداء الخُمُس فليسا من الأركان العظمى فلا يجب ذكرهما في كلِّ حديث.
هذا، وحديث جبريل قد ورد من رواية عمر بن الخطاب، وثبت في بعض طرقه ذكر الحج، وصحَّح ابنُ حَجَر ذلك في «الفتح» (^٣) بأنه قد جاء في رواية أنَّ الواقعة كانت في أواخر حياة النبي - ﷺ -. فعلى هذا فسقوطه في رواية أبي هريرة مِنْ عَمَل بعض الرواة، كأنه كان عنده أيضًا حديث أبي هريرة في الأعرابي وليس فيها ذكر الحج فحمل هذه عليها، والله أعلم.
ومثل هذا ليس من الرواية بالمعنى، إنما هو من ترك الراوي لشيءٍ من الحديث نسيه أو شكَّ فيه، ولا يقتضي تركه إحالة لمعنى الحديث. وكثيرًا ما
_________________
(١) «شرح مسلم»: (١/ ١٦٧ ــ ١٦٨) وما بين المعكوفين منه.
(٢) كذا في (ط) والعبارة مستقيمة بدونها.
(٣) (١/ ١١٩).
[ ١٢ / ١١٤ ]