أبي هريرة وأبي أمامة وأنس ﵃.
وأما التابعون فغلبت فيهم الكتابة إلا أن مَنْ كان ذا حافظة نادرة كالشعبيّ والزهريّ وقَتادة كانوا لا يرون إبقاء الكتب، لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفّظه، فإذا أتقنه محاه. وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده كسعيد بن جُبير والحسن البصري وعَبيدة السلماني ومُرَّة الهَمْداني وأبي قِلابة الجرمي وأبي المليح وبشير بن نهيك وأيوب السختياني ومعاوية بن قُرّة ورجاء بن حَيْوَة وغيرهم (^١).
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٥: (ولئن كانت هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الأحاديث فإن أحاديث النهي أصح، بَلْهَ ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين).
أقول: قد علمتَ أنه ليس في النهي غير حديثين أحدهما متفق على ضعفه، وهو المروي عن زيد بن ثابت، والثاني مختَلَف في صحته وهو حديث أبي سعيد، فأما أحاديث الإذن فلو لم يكن منها إلا حديث أبي هريرة في الإذن لعبد الله بن عَمرو لكان أصحَّ مما جاء في النهي. أما الصحابة والتابعون فقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية.
ثم نقل أبو ريَّة ص ٢٥ ــ ٢٧ عن «مجلة المنار» كلامًا بدأ فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي وقصة «اكتبوا لأبي شاه» بأنّ ما أمر بكتابته لأبي شاه مِنَ الدِّين العام، وأنَّ النهيَ كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص.
_________________
(١) مقتبس من كتاب العلم لابن عبد البر، وسنن الدارمي، وغيرهما. [المؤلف].
[ ١٢ / ٥٦ ]
أقول: نظرية «دين عام ودين خاص» مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص ١٥) (^١). وحديث الإذن لعبد الله بن عَمرو قاطعٌ لشَغَبه البتة.
قال صاحب «المنار»: «ولنا أن نستدلّ على كون النهي هو المتأخر بأمرين، أحدهما: استدلال من روي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي - ﷺ -».
أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي - ﷺ -، فالمرويّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه، [ص ٢٩] وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد. ونحن لم نقل في هذا: إنه منسوخ، إنما قلنا: إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص تقدَّم بيانه. وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي - ﷺ - نهى.
وقد بقيت صحيفةُ عليّ عندَه إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عَمرو عنده ثُمَّ عند أولاده كما مرَّ (^٢)، فلو كان هناك نَسْخ لكان بقاء الصحيفتين دليلًا واضحًا جدًّا على أنّ الإذن هو المتأخِّر، وتقدّم أن عمر عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها، ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي - ﷺ -، وذلك صريح فيما قلنا. وقد أجاز الكتابة من الصحابة: عبد الله بن عَمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وأنس ﵃، وروى هارون بن عنترة عن أبيه، أن ابن عباس رخَّص فيها (^٣)، ثم أجمعت عليها الأمة.
_________________
(١) (ص ٣١ ــ ٣٣) من هذه الطبعة.
(٢) (ص ٤٧).
(٣) سبق ذكر هذه الأخبار وتخريجها (ص ٤٧ ــ فما بعدها).
[ ١٢ / ٥٧ ]