كتابة الحديث في عهد النبي - ﷺ -
تعرَّض أبو ريَّة ص ٧
_________________
(١) ٨ لهذه القضية، ثم أفردها بفصل ص ٢٣، فمما قاله: ( تضافرت الأدلة على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهد النبي - ﷺ - كما كان يكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّاب يُقيّدونها عند سماعها منه وتلفظه بها ..). أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا. أما حكمة ذلك فمنها: أن الله ﵎ كما أراد لهذه الشريعة البقاء أراد سبحانه أن لا يكلِّف عباده من حفظها إلا بما لا يشقّ عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته، كان النبي - ﷺ - إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسى شيئًا منه، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ ١٩]، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦ ٨]. وكانت العرب أمة أُميّة يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة، ولاسيما ما يكتب فيه. وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من
[ ١٢ / ٤١ ]
القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها.
وفي «صحيح البخاري» (^١) وغيره من حديث زيد بن ثابت في قصة جمعه القرآن بأمر أبي بكر: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة سورة براءة».
وفي «فتح الباري» (^٢): أن العسُبَ جريدُ النخلِ، وأن اللخافَ الحجارةُ الرقاقُ، وأنه وقع في رواية: «القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل»، ووقع في روايات أُخَر ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف.
[ص ٢١] وكان النبي - ﷺ - يُلقِّن بعضَ أصحابه ما شاء الله من القرآن ثم يُلقِّن بعضُهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملةً في صدورهم، ومحفوظًا بالكتابة في قِطَعٍ مُفرَّقةٍ عندهم. والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذاك القدر؛ إذ كان أكثر منه شاقًّا عليهم، وتكفَّل الله ﷿ بحفظه في صدورهم وفي تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتى جُمِعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف منها شيء حتى كتبت عنها المصاحف في عهد عثمان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وتكفُّله سبحانه بحفظه لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا ــ بتوفيقه لهم ــ في
_________________
(١) (٤٩٨٦).
(٢) (٩/ ١٤ ــ السلفية).
[ ١٢ / ٤٢ ]
عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان.
فأما السُّنَّة فقد تكفَّل الله بحفظها أيضًا، لأن تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع. بل دلَّ على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، فحفظ الله السُّنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كُتِبَت ودُوِّنَت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًّا جدًّا؛ لأنها تشمل جميعَ أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك. والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومُتَعبَّد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير= لاجَرَمَ خفَّف الله عنهم، واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأنْ يَطَّلِعَ عليها بعضُ الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء. فالشأن في هذا الأمر: هو العلم بأن النبي - ﷺ - قد بلّغ ما أُمِر به، التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة.
وتكفُّلُ اللهِ تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد الله تعالى، وبهذا التكفُّل يُدْفَع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده، ونحو ذلك.
ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمَنْ بَعْدَهم، وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوَّة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ
[ ١٢ / ٤٣ ]