قال أبو ريَّة ص ٨: (ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي، ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالحديث عن أصل لفظه استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى).
أقول: أنزل الله ﵎ هذه الشريعة في أمة أُمية، فاقتضت حكمتُه ورحمته أن يكلّفهم (^١) الشريعة، ويُكلِّفهم حفظها وتبليغها في حدود ما يتيسّر لهم. وتكفَّل سبحانه أن يرعاها بقدرته ليتمّ ما أراده لها من الحفظ إلى قيام الساعة. وقد تقدم شيء من بيان التيسير (ص ٢٠ و٢١ و٢٢) (^٢). ومن تدبر الأحاديث في إنزال القرآن على سبعة أحرف وما اتصل بذلك بانَ له أن الله تعالى أنزل القرآن على حرفٍ هو الأصل، ثم تكرّر تعليم جبريل للنبي - ﷺ - لتمام سبعة أحرف، وهذه الأحرف الستة الزائدة عبارة عن أنواعٍ من المخالفة في بعض الألفاظ للفظ الحرف الأول بدون اختلاف في المعنى (^٣) فكان النبي - ﷺ - يلقّن أصحابه فيكون بين ما يلقّنه ذا وما لقّنه ذاك شيء من ذاك الاختلاف في اللفظ، فحفظ أصحابه كلٌّ بما لُقِّن، وضبطوا ذلك في صدورهم ولقَّنوه الناس، ورُفِع الحرج مع ذلك عن المسلمين،
_________________
(١) (ط): «يكفّلهم» تحريف.
(٢) انظر (ص ٤١ ــ ٤٥).
(٣) هنا تعليق يحتمل أن يكون للشيخ أو للناشر الأول، ونصه: «المراد بالاختلاف في المعنى هو الاختلاف المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فأما أن يدلّ أحد الحرفين على معنى والآخر على معنى آخر وكلا المعنيين معًا حق، فليس باختلاف بهذا المعنى».
[ ١٢ / ١٠٢ ]
فكان بعضهم ربما تلتبس عليه كلمة مما يحفظه أو يشقّ عليه النطقُ بها فيكون له أن يقرأ بمرادفها. فمن ذلك ماكان يوافق حرفًا آخر ومنه ما لا يوافق، ولكنه لا يخرج عن ذاك القبيل. وفي «فتح الباري» (^١): «ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له». فهذا ضَرْبٌ محدود من القراءة بالمعنى رُخِّص فيه لأولئك.
وكتب القرآن بحضرة النبي - ﷺ - في قطع من الجريد وغيره، تكون في القطعة الآية والآيتان وأكثر، وكان رسم الخط يومئذ يحتمل ــ والله أعلم ــ غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة، إذ لم يكن له شَكْل ولا نَقْط، وكانت تحذف فيه كثير من الألفات ونحو ذلك كما تراه في رسم المصحف، وبذاك الرسم عينه نُقِل ما في تلك القطع إلى صحف في عهد أبي بكر، وبه كتبت المصاحف في عهد عثمان، ثم صار على الناس أن يضبطوا قراءتهم، بأن يجتمع فيها الأمران: النقل الثابت بالسماع من النبي - ﷺ -، واحتمال رسم المصاحف العثمانية.
وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغييرات التي كان يترخَّص بها بعض الناس، وبقي من الأحرف الستة المخالفة للحرف الأصلي ما احتمله الرسم [ص ٥٣] ولعله غالبها إن لم يكن جميعها، مع أنه وقع اختلاف يسير بين المصاحف العثمانية، وكأنه تبعًا للقِطَع التي كُتِب فيها القرآن بحضرة النبي - ﷺ -، كأن توجد الآية في قطعتين كُتِبت الكلمة في إحداهما بوجه وفي الأخرى بالآخر، فبقي هذا الاختلاف في القراءات الصحيحة.
_________________
(١) (٩/ ٢٧). والمثال الذي ذكره الحافظ هو قراءة ابن مسعود «عتى حين» وليست من المرادف بل لهجة في الكلمة.
[ ١٢ / ١٠٣ ]