السُّنَّة
[ص ١٢] ثم شرع أبو ريَّة بعد الخطبة في الكتاب فقال في ص ١٦: (السنة )، ونقل عبارات منها عبارة عن "تعريفات الجرجاني" (^١) زاد في آخرها زيادة في نحو ثلاثة أسطر لم أجدها في "التعريفات"، في آخرها: (ثم اصطلح المحدّثون على تسمية كلام الرسول حديثًا وسنة) (^٢).
ثم قال أبو ريَّة: (وقالوا: السنة تطلق في الأكثر على ما أضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير).
أقول: تُطلق السنة لغةً وشرعًا على وجهين:
الأول: الأمر يبتدئه الرجل فيتبعه فيه غيره. ومنه ما في "صحيح مسلم" (^٣) في قصة الذي تصدَّق بصُرَّة فتبعه الناس فتصدقوا، فقال رسول الله - ﷺ -: "مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمِل بها بعده كُتِب له مثل أجر مَنْ عَمِل بها " الحديث.
والوجه الثاني: السيرة العامة، وسنة النبي - ﷺ - بهذا المعنى هي التي تقابل الكتاب، وتسمى الهَدْي. وفي "صحيح مسلم" (^٤): أن النبي - ﷺ - كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هدي محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
_________________
(١) (ص ١٢٢).
(٢) أقول: هذا الكلام نقله أبو ريَّة من مقال لرشيد رضا في "مجلة المنار": (١٠/ ٨٤٦).
(٣) (١٠١٧).
(٤) (٨٦٧).
[ ١٢ / ٢٥ ]
هذا وكلّ شأن من شؤون النبي - ﷺ - الجزئية المتعلقة بالدين من قول أو فعل أو كفّ أو تقرير= سنةٌ بالمعنى الأول، ومجموعُ ذلك هو السنة بالمعنى الثاني. ومدلولات الأحاديث الثابتة هو السنة أو من السنة حقيقة، فإن أُطْلِقَت "السنة" على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح. وإنما أوضحتُ هذا لأن أبا ريَّة يتوهَّم أو يوهم أنه لا علاقة للأحاديث بالسنة الحقيقية.
ثم قال ص ١٧: (مكان السنة من الدين. جعلوا السنة القولية في الدرجة الثانية أو في الدرجة الثالثة من الدين وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السنة العملية).
أقول: المعروف بين أهل العلم قولهم: "الكتاب والسنة" ثم يقسِّمون دلالات الكتاب إلى قطعية وغيرها، والسنة إلى متواتر وآحاد، وإلى قول وفعل وتقرير، إلى غير ذلك من التقسيمات. وسيأتي ذكر "ثلاث مراتب" من صاحب "المنار"، وننظر فيه (^١).
فأما منزلة السنة جملةً من الدين فلا نزاع بين المسلمين أن ما ثبت عن النبي - ﷺ - مِنْ أمر الدين فهو ثابت عن الله ﷿، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وكل مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلَّغه عن ربه، وقد بلَّغ الرسول بسنته كما بلَّغ كتاب الله عزوجل.
ثم تكلَّم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائل: السنة قاضية على الكتاب [ص ١٣]. وقائل: السنة تبيّن الكتاب. وقائل: السنة في المرتبة
_________________
(١) انظر (ص ٣١).
[ ١٢ / ٢٦ ]