ونخرج مما تقدم بنتيجتين:
الأولى: أن حفظ الصدور لم يكن كما يصوِّره أبو ريَّة بل قد اعتمد عليه في القرآن، وبقي الاعتماد عليه وحده بعد حفظ الله ﷿ في عهد النبي - ﷺ -[وأبي بكر] وعمر وسنين من عهد عثمان، لأن تلك القطع التي كُتِب فيها في عهد النبي - ﷺ - كانت مفرَّقة عند بعض أصحابه لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم. ثم لمّا جُمعت في عهد أبي بكر لم تُنشر هي ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه في عامة المواضع التي يحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حين استقرَّ تدوينُ القراءات الصحيحة.
النتيجة الثانية: أن حال الأميين قد اقتضت الترخيص لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن مع أن ألفاظه مقصودة لذاتها؛ لأنه كلام ربِّ العالمين بلفظه ومعناه، مُعْجِز بلفظه ومعناه، مُتعبَّد بتلاوته، فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟
وإذا علمنا ما تقدَّم أول هذا الفصل من التيسير مع ما تقدم (ص ٢٠، ٢١ و٣٢) (^١) وعلمنا ما دلَّت عليه القواطع أن النبي - ﷺ - مبيِّن لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأن كلّ ما كان منه مما فيه بيان للدين فهو خالد بخلود الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابة مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي - ﷺ - وبعد وفاته (راجع ص ١٢ و٣٦ و٤٥ و٤٩) (^٢) وأن النبي - ﷺ - لم يأمرهم
_________________
(١) انظر (ص ٤١ ــ ٤٣، ٦٣).
(٢) انظر (ص ٢٤، ٧٠، ٨٧، ٩٤).
[ ١٢ / ١٠٤ ]
بكتابة الأحاديث، وأقرَّهم على عدم كتابتها، بل قيل إنه نهاهم عن كتابتها كما مرَّ بما فيه (^١)، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لما علموه وفهموه، وعَلِمنا أنّ عادة الناس قاطبةً فيمن يُلْقى إليه كلام المقصود منه معناه، ويؤمر بتبليغه= أنه إذا لم يحفظ لفظَه على وجهه وقد ضبط معناه لزمه أن يبلِّغه بمعناه ولا يعدّ كاذبًا ولا شِبه كاذب، علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمِرُوا بالتبليغ على ما جرت به العادة: مَنْ بقي منهم حافظًا لِلَّفظ على وجهه فليؤدِّه كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا للفظ فليؤدِّه بالمعنى. هذا أمر يقينيّ لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي - ﷺ - وبعد وفاته.
فقول أبي ريَّة: (لما رأى بعض الصحابة .. استباحوا لأنفسهم) إن أراد أنهم لم يؤمروا بالتبليغ ولم يُبَحْ لهم أن يرووا بالمعنى إذا كانوا ضابطين له دون اللفظ، فهذا كذب عليهم وعلى الشرع [ص ٥٤] والعقل كما يُعْلَم مما مر. وتشديده - ﷺ - في الكذب عليه إنما المراد به الكذب في المعاني، فإن الناس يَبْعَثون رسلهم ونُوَّابهم ويأمرونهم بالتبليغ عنهم، فإذا لم يشترط عليهم المحافظة على الألفاظ فبلَّغوا المعنى فقد صدقوا. ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك. فذهب وقال له: والدي ــ أو الوالد ــ يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنَكْرَ العقلاء عليك ذلك.
وقد قصَّ الله ﷿ في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحدَّ المعْجِز، ومنه ما يكون عن لسان
_________________
(١) انظر (ص ٤١ فما بعدها).
[ ١٢ / ١٠٥ ]
أعجمي، ومنه ما يأتي في موضع بألفاظ وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر. فبالنظر إلى أداء المعنى كرَّر النبي - ﷺ - بيان شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب فقال: «نَضَّرَ الله امرءًا سمع مِنّا شيئًا فأدَّاه كما سمعه، فربّ مبلَّغٍ أوعى مِن سامع» (^١)، جاء بهذا اللفظ أو معناه مطوّلًا ومختصرًا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجُبير بن مُطْعِم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعُمير بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعُبادة بن الصامت، منها الصحيح وغيره. وكان النبي - ﷺ - يتحرَّى معونتهم على الحفظ والفهم كما مرَّ (ص ٤٣) (^٢).
واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي - ﷺ -، وهي كثيرة. ومنها ما أصله قوليّ، ولكن الصحابي لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبيُّ - ﷺ - بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذِنَ في كذا .. وأشباه هذا. وهذا كثير أيضًا.
وهذان الضربان ليسا محلّ نزاع، والكلام في ما يقول الصحابي فيه:
_________________
(١) هذا الحديث رُوي عن جماعة كثيرة من الصحابة نحو الثلاثين، من أقواها حديث زيد بن ثابت. أخرجه أحمد (٢١٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠)، وابن حبان (٦٧، ٦٨٠) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان. وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢)، وابن حبان (٦٦، ٦٩). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان. وانظر: «موافقة الخبر الخبر»: (١/ ٣٦٣ ــ ٣٩٣)، و«المعتبر» (ص ١٣٠ ــ ١٣١).
(٢) (ص ٨٣ ــ ٨٤).
[ ١٢ / ١٠٦ ]