يقال لا شك أن هذا عين المحادة لله ولرسوله - ﷺ - وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.
الثالث من أقوالهم الباطلة: زعمهم أن قبور الصالحين تنزل عليها رحمة الله وبركاته ونفحاته وأنه لابد للمسلم أن يتعرض ويقترب ويدعو في تلك الأماكن.
والجواب أن يقال: هذا ما زينه الشيطان لكثير من الجهال ليضلهم عن سبيل الله ويوقعهم في الشرك بالله، فإن التبرك بالقبور والدعاء عندها من أعظم الأسباب للإشراك بأصحابها، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدًا، ونهيه عن ذلك يدل بطريق الأولى على النهي عن اتخاذ قبور الصالحين أعيادًا، والعيد اسم لما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد. ومنه اعتياد المجيء إلى القبور للتبرك بها والدعاء عندها. وقد روى الحافظ الضياء في المختارة عن زين العابدين على بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم وصلوا عليَّ فإن تسليمكم يبلغني أين
[ ١٠ ]
كنتم» قال بعض العلماء: هذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها، لأن ذلك من اتخاذها عيدًا كما فهمه علي بن الحسين من الحديث فنهي ذلك الرجل عن المجيء إلى قبر النبي - ﷺ - للدعاء عنده، فكيف بقبر غيره، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية كان الصحابة والتابعون يأتون إلى مسجده - ﷺ - فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ثم إذا قضوا الصلاة فعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل نهاهم عنه بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني» فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام. ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر وهم من ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا للسلام ولا للصلاة ولا للدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم ولا لسؤال عن حديث أو علم ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج
[ ١١ ]
كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة المعراج.
والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعله من بعدهم من الخلوف وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر كما كان ابن عمر ﵄ يفعله. قال عبيد الله بن عمر عن نافع كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف، قال عبيد الله ما نعلم أحدا من أصحاب النبي - ﷺ - فعل ذلك إلا ابن عمر. وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة انتهى.
وإذا كان الوقوف عند قبر النبي - ﷺ - للدعاء بدعة محضة فكيف بالوقوف للدعاء عند قبور الصالحين أو من يظن صلاحهم فهو أولى باسم البدعة وأولى بالمنع لأنه من أعظم الوسائل إلى الغلو
[ ١٢ ]