يا رب أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾» الحديث، وفي قوله: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» وقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على أن النبي - ﷺ - إنما كان يعلم بسؤال الذين يسألونه الاستغفار لهم إذ كان حيًا شهيدًا عليهم وأنه لا يدري بما أحدثه الذين يسألونه الاستغفار لهم بعد موته، وما يذكر في هذا الباب من الحكايات عن بعض الجهال الذين يسألون الاستغفار من النبي ﷺ بعد موته فلا عبرة بها، لأنها من المحدثات، والمحدثات كلها مردودة بالأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها، وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في كتاب (التوسل والوسيلة): إن الذين يطلبون الاستغفار من النبي - ﷺ - بعد موته قد خالفوا إجماع الصحابة والتابعين وسائر المسلمين انتهى.
الثاني من أقوالهم الباطلة: إباحة الاستنجاد بالنبي - ﷺ - بعد موته وزعمهم أنه ليس بمستنكر من الناحية الشرعية وزعمهم أنه لا داعي للتشدد في الإنكار على من يعتقد كرامة الأولياء واللجوء
[ ٧ ]
إليهم في قبورهم والدعاء فيها عند الشدائد.
والجواب أن يقال: أما اللجوء إلى أهل القبور والاستنجاد بهم ودعاؤهم عند الشدائد فإنه شرك أكبر، وسواء في ذلك الاستنجاد بالنبي - ﷺ - ودعاؤه واللجوء إلى قبره، والاستنجاد بغيره من الأموات ودعاؤهم واللجوء إلى قبورهم فكله من الشرك الأكبر وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فسمى دعاءهم إياهم عبادة وأخبر أنهم لا يستجيبون لهم إلى يوم القيامة وأنهم عن دعائهم غافلون وأنهم يكونون لهم أعداء يوم القيامة ويكفرون بعبادتهم إياهم وأخبر في آية أخرى أنهم يتبرءون منهم فأي خير يحصل لمن يدعو غير الله ويلجأ إلى الأموات ويستغيث بهم عند الشدائد، لقد خاب وخسر من فعل ذلك، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ
[ ٨ ]
سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فسمى دعاءهم إياهم شركا وأخبر أنهم لا يسمعون دعاء الذين يدعونهم وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم، فأي خير يحصل لمن يدعو غير الله ويستغيث بالأولياء أو من تدَّعى فيهم الولاية ويلجأ إليهم ويستنجد بهم عند الشدائد والملمات ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ
الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ومن زعم أن الاستنجاد بالنبي - ﷺ - بعد موته مباح وأنه ليس بمستنكر من الناحية الشرعية فقد أباح الشرك بالله وافترى على الشريعة المحمدية. وفيما ذكرته من الآيات أبلغ رد وتكذيب لزعمه وفريته.
وقد روى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق. فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» وإذا كان النبي - ﷺ - قد أنكر الاستغاثة به في حين حياته وأخبر أن الاستغاثة لا تكون إلا بالله فماذا يقال فيمن زعم أن الاستنجاد بالنبي - ﷺ - بعد موته مباح وأنه ليس بمستنكر من الناحية الشرعية، والجواب أن
[ ٩ ]