أما من حكى عَنهُ نفى الإتحاد فقد قَالَ بِالْحَقِّ وأتى بالمراد
وَأما من أثْبته وَقَالَ إِن الإتحاد لَا يسْأَل عَنهُ وَلَا يكيف فَنَقُول معنى الإتحاد لَا يَخْلُو أَن تعرفه أَو لَا تعرفه فَإِن لم يعرفهُ فقد اعْترف بجهله وناقض مُتَقَدم قَوْله فَإِنَّهُ اعْترف بالإتحاد وَادّعى ثُبُوته للمسيح وَحده ثمَّ لما طُولِبَ بتثبيته قَالَ لَا أعرفهُ وَهَذَا تنَاقض وَقَول بَاطِل وَأما من قَالَ أعرفهُ إِلَّا أنني يقصر عَن إِدْرَاك حَقِيقَته عقلى وَلَا أقدر على الْعبارَة عَنهُ وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُم فِي جوابكم عَن كَيْفيَّة سَماع مُوسَى كَلَام الله تَعَالَى حَيْثُ قُلْتُمْ أَنه لَا يسْأَل عَنهُ بكيف فَإِنَّهُ ظلم وحيف فَنَقُول أما قَوْلك أعرفهُ إِلَّا أَنه يقصر عقلى
[ ١٢٨ ]
عَن إِدْرَاك حَقِيقَته فمتناقض أَيْضا لِأَن كل مَعْرُوف لَا بُد أَن يرتسم فِي الْعقل وَيحصل فِيهِ على الْوَجْه الَّذِي يكون مَعْرُوفا مِنْهُ فَأَما على الْجُمْلَة وَأما على التَّفْصِيل وَمَا لم يرتسم فِي الْعقل لَا جملَة وَلَا تَفْصِيلًا فَلَيْسَ بِمَعْلُوم وَأَنت إِذا ادعيت أَنَّك عَالم بالإتحاد فَلَا بُد أَن تكون عَالما بِهِ أما على الْجُمْلَة أَو على التَّفْصِيل وكيفما كَانَ فَلَا بُد لَك من أَن تعبر عَن معلومك على أَي وَجه كَانَ وَإِلَّا فَأَنت جَاهِل بالإتحاد وَمن جَهله كَافِر عنْدكُمْ وَأما تشبيهك هَذَا بكيفية سَماع مُوسَى فَلَيْسَ بِصَحِيح لأَنا مهما قيل لنا كَيفَ سمع مُوسَى كَلَام الله فَإِنَّمَا نسْأَل عَن أَمر لم نعلمهُ علم ذوق وَعَن تَفْصِيل مَا لم نعلمهُ تَفْصِيلًا بل علمناه على الْجُمْلَة
وَلذَلِك أجبنا بقولنَا إِن الله تَعَالَى خلق لَهُ إدراكا سمع بِهِ كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ وَصفه الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت ففهمنا الْإِدْرَاك على الْجُمْلَة وَلم نفهمه على التَّفْصِيل وَأَنت لم تعرف الإتحاد جملَة وَلَا تَفْصِيلًا بل جهلت وادعيت أَنَّك علمت