وَأما من قَالَ إِن الْكَلِمَة خالطت جسم الْمَسِيح ومازجته ممازجة الْخمر اللَّبن فَكَلَام فَاسد قَائِله لِلْعَقْلِ فَاقِد وَذَلِكَ أَن الْمَفْهُوم من المخالطة والممازجة لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي الْجَوَاهِر المتحدات وَذَلِكَ ان المخالطة إِنَّمَا يعبر بهَا عَن تجاور الْجَوَاهِر وإجتماعها بِحَيْثُ يكون كل وَاحِد من الْجَوَاهِر المتمازجة يحفظ حيزه ويشغله وَيمْنَع مِنْهُ غَيره
وَلذَلِك إِذا أفرغت إِنَاء مَاء على إِنَاء لبن مثلا وتمازجا كثر اللَّبن وَصَارَ لَا يَسعهُ بعد الممازجة مَا كَانَ وَالْعلم لَيْسَ بجوهر فاستحال عَلَيْهِ الإختلاط والإمتزاج بِالضَّرُورَةِ
فَإِن أَرَادوا بالإمتزاج والإختلاط أمرا آخر فَلَا بُد من بَيَانه وإفادة تصَوره وَلَا يتَكَلَّم على الشَّيْء ردا وقبولا إِلَّا بعد كَونه معقولا وَلَو سلمنَا الممازجة جدلا للَزِمَ عَلَيْهَا أَنْوَاع من المحالات مِنْهَا قيام الصّفة بِنَفسِهَا وانتقالها وَبَقَاء جَوْهَر الله تَعَالَى عريا عَنْهَا على قَوْلهم والعرى عَن الْعلم جَاهِل وَالْجهل على الله محَال وَيلْزم على
[ ١٢٩ ]
ذَلِك أَن لَا يكون الْعلم أزليا بل حَادِثا مخلوقا وَأَن حَاله تَغَيَّرت وَبعد أَن لم يكن مختلطا ممتزجا مختلطا
وَهَذَانِ أَمْرَانِ حادثان وَلَا يَخْلُو عَن أَحدهَا وَمَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث حَادث على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَهَذِه أُمُور بَاطِلَة فالمفضى إِلَيْهَا بَاطِل وَهُوَ الإختلاط
وَأما من قَالَ بالحلول فَلَيْسَ لَهُ محصول وَلَا مَعْقُول لِأَن حَقِيقَة الْحُلُول إِنَّمَا هِيَ أَن يحصل جسم أَو متحيز فِي شَيْء أَو على شَيْء فيسمى الْحَاصِل حَالا والمحصول فِيهِ يُسمى محلا وَتسَمى النِّسْبَة بَينهمَا حلولا وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيّ مصدرا هَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من حَقِيقَة الْحُلُول
وَقد يتوسع فِيهِ فَيُقَال حل العرضفي فِي مَحَله وَمَعْنَاهُ صَار الْمحل متصفا بِهِ وَصَارَ الْعرض قَائِما بِهِ وموجودا فِيهِ
فَإِن أردتم حَقِيقَة الْحُلُول كَانَ محالا فَإِن الْعلم لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر على مامر
وَإِن أردتم الثَّانِي فَهُوَ محَال أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ مُفَارقَة الْعلم الْجَوْهَر وبقاؤه جَاهِلا وَيقوم عرض وَاحِد بمحلين فِي زمَان وَاحِد وَيلْزم عَلَيْهِ إنتقال الصّفة من مَحل إِلَى مَحل وحدوثها إِلَى أَنْوَاع من المحالات لَا يبوء بهَا عَاقل ومنتحلها أَحمَق جَاهِل
وَقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُم أَرَادوا بالحلول حُلُول الْجَوْهَر فِي الْعرض وَقد صرحنا نَحن بِمَا يلْزمهُم من المحالات على ذَلِك وبيناه والحمدلله
ثمَّ نقُول لَهُم بعد ذَلِك فِي قَوْلهم بالإختلاط وبأنهما صَارا شَيْئا وَاحِدًا لَا خلو أَن حِين اختلطا أما أَن يبْقى الْعلم مَوْجُودا بِحَالهِ والجوهر مَوْجُودا بِحَالهِ أم يَنْعَدِم أَحدهمَا أَو ينعدما مَعًا
محَال أَن يبقيا موجودين بحاليهما مَعَ فرض الإختلاط وكونهما شَيْئا وَاحِدًا فَإِن الْوَاحِد لَا يعود إثنين إِلَّا بِإِضَافَة غَيره إِلَيْهِ وَإِذا أضيف غَيره إِلَيْهِ ارْتَفَعت الْوحدَة بِالضَّرُورَةِ على مَا تقدم فِي التَّثْلِيث وَكَذَلِكَ الإثنان لَا يعودان وَاحِدًا إِلَّا إِذا انْعَدم أَحدهمَا فترتفع
[ ١٣٠ ]
الأنثينية بِالضَّرُورَةِ ومحال أَن ينعدما فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى عدم الْقَدِيم وَإِلَى عدم مَا هُوَ مَوْجُود فِي حَالَة وجوده فَلم يبْق إِلَّا أَن يَنْعَدِم أَحدهمَا دون الآخر وَذَلِكَ محَال فَإِن الْمَوْجُود لَا يخالط الْمَعْدُوم وَلَا يمازجه بل يبْقى الْوَاحِد وَاحِدًا
وَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام المنحصرة بَطل الإمتزاج والإختلاط ومصير الْإِثْنَيْنِ وَاحِدًا على مَا قَالُوهُ
وَأما من قَالَ إِن الْكَلِمَة انقلبت لَحْمًا ودما فَلَقَد ارْتكب حَمَاقَة وَالْتزم عمى يلْزمه عَلَيْهِ جَوَاز عكس مذْهبه وَهُوَ أَن يَنْقَلِب اللَّحْم وَالدَّم علما وَالْقَدِيم حَادِثا والحادث قَدِيما إِلَى غير ذَلِك من المحالات الَّتِي لَا تصدر عَن من شدّ أطرافا من المعقولات وَلَوْلَا الْحمق والتقليدات لما وجد مثل هَذِه الفواقح فِي كَلَام أحد من الْمَخْلُوقَات
وَأما من قَالَ إِن الإتحاد هُوَ ظُهُور وفيض وَمثله بانطباع الصُّور فِي الْمرْآة فَهَذَا الْمِثَال إِنَّمَا كَانَ يَصح لَو كَانَ الْعلم صُورَة محسوسة بالبصر وَيكون جَسَد الْمَسِيح صقيلا تنطبع فِيهِ صُورَة المقابلات وكل ذَلِك مَعْدُوم فِي مَسْأَلَتنَا بِالضَّرُورَةِ فتخيله فَاسد وباطل بِالضَّرُورَةِ فَكَمَا لَا تتمثل ذَات الْحَيَاة والإدراكات فِي الْمرْآة كَذَلِك لَا تتمثل الْكَلِمَة فِي جَسَد الْمَسِيح
ثمَّ إِن جَازَ انطباع علم الله فِي جَسَد البشري فلينطبع فِي كل مَا يُشبههُ فِي الجسدية وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد بَيَان وَفِيمَا تقدم مَا يبين فَسَاده وإستحالته
وَأما التَّمْثِيل بنقش الْخَاتم يعود منحفرا فِي الشمع والمنحفر فِي الْخَاتم يعود ناتئا فِي الشمع فَذَلِك لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي الْأَجْسَام وَإِن جَازَ فِي غير الْأَجْسَام فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا أعنى اللاهوت والناسوت يُؤثر فِي الآخر وَيحل فِيهِ فَيكون الناسوت حل فِي اللاهوت وَذَلِكَ محَال عِنْد كل فريق وَالْأَمر الثَّانِي أَن النقش فِي الْخَاتم يوضع مقلوب الْكَلِمَات ثمَّ تنطبع مُسْتَقِيمَة فِي الشمع وَلَو وضعت فِي الْخَاتم مُسْتَقِيمَة لانطبعت فِي الشمع منعكسة فَيلْزم على مساق هَذَا الْمِثَال أَن تنطبع الْكَلِمَة فِي الناسوت أما الإستقامه
[ ١٣١ ]
أَو بِالْعَكْسِ فَإِن انطبعت فِيهِ بالإستقامة فأقنوم الْكَلِمَة فِي الْجَوْهَر بالإنعكاس وَإِن انطبعت فِيهِ بالإنعكاس فَلم تبْق الْكَلِمَة فِي الناسوت على حَقِيقَتهَا فِي اللاهوت بل هِيَ منعكسة فَلَا تبقى حَقِيقَة الْعلم على مَا كَانَت بل هِيَ لَيْسَ بِعلم وَهَذَا كُله مِمَّا يلْزم على آرائهم الْفَاسِدَة وتحكماتهم الْبَارِدَة
وَأما من لبس مِنْهُم بِأَن مثل قَوْلهم فِي الإتحاد بقولنَا فِي إستوائه تَعَالَى على الْعَرْش فَذَلِك مِمَّا لَا يُقَال عَلَيْهِ عندنَا اتِّحَاد وَلَا حُلُول وَلَا فيض وَلَا انطباع لأَنا نُرِيد بقولنَا هُوَ على الْعَرْش مستو واستوى على الْعَرْش أَن الْعَرْش تَحت قَبضته ومسخر بقدرته والإستواء عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الإستيلاء على مَا يعرفهُ الْعَرَب من كَلَامهَا فَإِنَّهَا تَقول قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق
بِغَيْر سيف وَدم مهراق
فَإِن أَرَادوا هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ حق وصحيح لكنه لَا يَصح فِي حق عِيسَى وَحده فَإِن الله تَعَالَى مستول على عِيسَى وعَلى غَيره وَأما من أطلق مِنْهُم لفظ النُّزُوع فيستحيل على الْحَقِيقَة والتوسع وَذَلِكَ أَن هَذَا اللَّفْظ يشْعر بِأَن اللاهوت اتخذ الناسوت درعا أَو كالدرع وَهَذَا كُله مُسْتَحِيل على الْإِلَه ﵎ وعَلى علمه وكل مَا تقدم من المحالات على هَذَا الْمَذْهَب يلْزم
وعَلى الْجُمْلَة فَهَؤُلَاءِ الْقَوْم أغبياء جاهلون وَعَن التَّوْفِيق معزولون فهم عَن المعقولات معرضون وَبهَا مستهزءون لَا يستحيون من خالقهم وَلَا يتأدبون مَعَ مالكهم ورازقهم فسبحان الله عَمَّا يَقُول الجاهلون وَتَعَالَى عَمَّا ينْسبهُ إِلَيْهِ المبطلون بل هُوَ الله الْوَاحِد الْأَحَد الْفَرد الصَّمد الَّذِي ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾
وَلَوْلَا ضَرُورَة الْحَال ورجاء قمع أهل الضلال لما استجزت حِكَايَة مثل هَذَا الْمقَال وَأَنا أسْتَغْفر الله ذَا العظمة الْجلَال إِنَّه ذُو الْعَفو والأفضال
[ ١٣٢ ]
وَلَا بُد مَعَ مَا تقدم أَن نطالبهم أَجْمَعِينَ بِصِحَّة الدَّلِيل الَّذِي جعلهم على ذَلِك القَوْل الغث الهجين حَتَّى نتبين تحكماتهم وَتظهر لكل أحد ترهاتهم
فَأَقُول لجميعهم مَا الَّذِي حملكم على القَوْل بالإتحاد والتورط فِي الضلال والإلحاد فلتعلم أَنهم قد اخْتلفت مسالكهم فِي ذَلِك فَمنهمْ من قَالَ إِنَّمَا قُلْنَا بذلك تقليدا للإنجيل وحذرا من الْمُخَالفَة والتبديل كَمَا قَالَ هَذَا السَّائِل وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا قُلْنَا بالإتحاد لِأَن عِيسَى ظَهرت عَلَيْهِ أَفعَال لَا تنبغي إِلَّا لإله من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَخلق الطير من الطين وَهَذِه أَفعَال لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا إِلَه وَهُوَ قد قدر عَلَيْهَا فَهُوَ إِذن إِلَه وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا صرنا إِلَى ذَلِك لكَون عِيسَى لم يخلق من المَاء الدافق الْكَائِن عَن أبوة وَلَا خرج عَن شَهْوَة آدمية بل خلق الله ناسوته من غير أَب ليَكُون واسطا بَينه وَبَين خلقه وليتخذه لكلمته وَرُبمَا قَالَ بَعضهم ألستم تقرأون فِي كتابكُمْ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ وَهَذَا عين مَا أنكرتم علينا من الإتحاد فَإِن عِيسَى رَسُول الله وكلمته فناسوته رَسُول الله ولاهوته كلمة الله على مَا أخبر بِهِ كتابكُمْ
فَنَقُول
لمن قَالَ بذلك تقليدا للإنجيل جوابك قد تبين فِيمَا تقدم إِذْ قد تقدم أَن فهم الإتحاد مِنْهُ بالمسيح بَاطِل وَأَن الصائر إِلَى الإتحاد بعد الْوُقُوف على مَا تقدم معاند جَاهِل
وَأما من اسْتدلَّ مِنْهُم على ذَلِك بِمَا ظهر على يَدي الْمَسِيح من خوارق الْعَادَات فَنَقُول لَهُ لأي شَيْء قلت أَنَّهَا تدل على ألوهيته وَلم تقل إِنَّهَا تدل على مَا كَانَ يسْتَدلّ هُوَ بهَا من رسَالَته فَقَالَ رب أعلم أَنَّك تعطينى كل شَيْء وَلَكِن أَقُول من أجل الْجَمَاعَة الواقفة ليؤمنوا بِهِ وليصدقوا أَنَّك أرسلتني فَهُوَ قد اسْتدلَّ بإحياء الْمَوْتَى
[ ١٣٣ ]
على رسَالَته وَأَنْتُم تستدلون بذلك على ألوهيته فَيلْزم من هَذَا الإستدلال الْعُدُول عَن شرع عِيسَى الْمَنْقُول ومصادمة الْعُقُول
ثمَّ نقُول لَهُم كَيفَ يَنْبَغِي لكم أَن تَقولُوا هَذِه الْأَفْعَال العجيبة تدل على أَنه لاهوت وَأَنْتُم تعزون فِي كتبكم أَن عِيسَى كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يفعل شَيْئا مِمَّا ذكر تضرع إِلَى الله وَرغب إِلَيْهِ بخضوع وتذلل حَتَّى يقْضى الله حَاجته وَهَذَا مَوْجُود فِي كتبكم كثيرا فِيهَا
وَكفى دَلِيلا على نفي مَا تنسبونه إِلَيْهِ قَوْله حِين صلبه بزعمكم إلهي إلهي لم أسلمتني وَقَوله قبل ذَلِك يَا أبتاه إِن كَانَت هَذِه الكأس لَا تقدر تجاوزني حَتَّى أشربها فلتكن إرادتك وَهَذَا كُله فِي سُجُوده
وَفِي هَذَا الموطن قَالَ يَا أبتاه إِن كَانَ مُمكنا فلتذهب عني هَذِه الكأس
وَفِي إنجيل ماركوش أَنه قَالَ فِي هَذَا الْمقَام سيلقى ابْن الْإِنْسَان مَا كتب لَهُ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك يَا أبتاه إِنَّك قَادر على جَمِيع الْأَشْيَاء فرج عني هَذِه الكأس فَهَذَا كُله يدل دلَالَة لَا شكّ فِيهَا أَنه كَانَ يفعل مَا يفعل بِإِذن الله إِذا أَرَادَهُ وأقدره عَلَيْهِ
وَأَنه إِنَّمَا كَانَ يتَّفق لَهُ ذَلِك بعد أَن يتَضَرَّع ويرغب لله تَعَالَى وَرُبمَا كَانَ يسْأَل أمورا لَا يُعْطِيهَا الله لَهُ لما سبق فِي علم الله أَنَّهَا لَا تكون