وهذا خطأ كبير وضلال بعيد وجناية عظيمة على الإسلام حيث ألصقوا به ما يذمه الإسلام وينهى عنه من دعوى الجاهلية والتعزي بعزائها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وروى عبد بن حميد والترمذي وابن أبي حاتم والبغوي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان رجل برّ تقيٌّ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌّ هينٌ على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾».
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم، وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن». هذا لفظ أبي داود ولفظ الترمذي قال: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من التراب»، قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية.
[ ٥٠ ]
العبية بضم العين وكسر الباء الموحدة وتشديدها وتشديد الياء قال أهل اللغة: هي الكبر والفخر والنخوة.
قلت: ومن الفخر والنخوة الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من القوميات والعصبيات.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: أضاف العبية والفخر إلى الجاهلية يذمهما بذلك وذلك يقتضي ذمهما بكونهما مضافين إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم كل الأمور المضافة إلى الجاهلية انتهى.
وروى البزار عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان».
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى».
وروى الطبراني عن محمد بن حبيب بن خراش العصري عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى».
وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن
[ ٥١ ]
أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «فليبلغ الشاهد الغائب».
وروى الإمام أحمد وابن جرير والبيهقي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى وكفى بالرجل أن يكون بذيًا بخيلًا فاحشًا».
قوله: طف الصاع قال ابن الأثير: أي قريب بعضكم من بعض يقال هذا طف المكيال وطفافه، وطفافه أي ما يقرب من ملئه وقيل هو ما علا فوق رأسه ويقال له أيضا طفاف بالضم والمعنى كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى.
وروى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه والبخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد».
وروى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه في سننه بإسناد حسن من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه.
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة».
[ ٥٢ ]
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ذم في هذا الحديث من دعا بدعوى الجاهلية وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذمًا لمن لم يتركه وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها. ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم وهذا كقوله تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرك الجاهلية الأولى﴾ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة ومنه قوله لأبي ذر ﵁ لما عير رجلًا بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية، فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية يقتضي ذمها فما كان من أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك. انتهى.
وفي المسند وصحيح ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: النياحة والاستسقاء بالأنواء وكذا»، قلت لسعيد: وما هو؟ قال: دعوى الجاهلية يا آل فلان يا آل فلان.
وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي - ﷺ - في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجر: يا للمهاجرين فقال رسول الله - ﷺ -: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا:
[ ٥٣ ]
يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال: «دعوها فإنها منتنة».
وفي رواية للبخاري: «فإنها خبيثة» وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مختصرًا.
قال النووي كسع بسين مخففة أي ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف وغيره، وقال ابن حجر العسقلاني المشهور فيه أنه ضرب الدبر باليد أو بالرجل.
قال ووقع عند الطبراني من وجه آخر عن عمرو بن دينار عن جابر ﵁ أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار برجله وذلك عند أهل اليمن شديد. وقوله: يا للأنصار بفتح اللام وهي للاستغاثة أي أغيثوني وكذا قول الآخر يا للمهاجرين. وقوله دعوها فإنها منتنة أي دعوة الجاهلية وأبعد من قال المراد الكسعة. ومنتنة بضم الميم وسكون النون وكسر المثناة من النتن أي أنها كلمة قبيحة خبيثة.
قلت: ونظير هذا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به»، رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن جيد غريب.
ونظيره أيضا ما رواه الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي - ﷺ - فارتفعت ريح منتنة فقال: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين».
وفي حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره دليل على أن
[ ٥٤ ]
الدعوة إلى القومية العربية دعوة منتنة خبيثة؛ لأنها من دعوى الجاهلية.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذان الاسمان المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين من قبل وفي هذا، وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى ثم مع هذا لما دعا كل منهما طائفته منتصرًا، بها أنكر النبي - ﷺ - ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له إن الداعي بهما إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم ليبين النبي - ﷺ - أن المحذور من ذلك إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقًا فعل أهل الجاهلية. فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب - إلى أن قال- فإذا كان هذا التداعي في هذه الأسماء وفي هذا الانتساب الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقًا والتداعي للنسب والإضافة التي هي إما مباحة أو مكروهة؟
إلى أن قال: فقد دلت الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي عنه وذلك يقتضي المنع من كل أمور الجاهلية مطلقًا، انتهى.
وفي الصحيحين والمسند والسنن إلا أبا داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية».
[ ٥٥ ]
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث الحارث الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم» قيل: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: «وإن صام وصلى تداعوا بدعوى الله الذي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله»، هذا لفظ أبي داود الطيالسي وفي رواية أحمد: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث.
قلت: وقال الحاكم في مستدركه الحارث الأشعري صحابي معروف سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الدوري يقول: سمعت يحيى ابن معين يقول: الحارث الأشعري له صحبة قال الحاكم: وهذا حديث صحيح، وقال في موضع آخر قد أخرج الشيخان برواة هذا الحديث عن آخرهم والحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ. وأقره الذهبي في تلخيصه. وقال الحاكم في موضع آخر على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى أبو يعلى والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ومن دعا دعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم» قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: «وإن صام وصلى» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بأن في إسناده عبيس بن ميمون وقد ضعفوه قال: والخبر منكر. قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
[ ٥٦ ]
قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب الجثا جمع جثوة بالضم وهو الشيء المجموع انتهى.
وفي هذا الحديث والذي قبله أبلغ تحذير من الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من دعوى الجاهلية.
وروى الإمام أحمد والبغوي في شرح السنة عن أبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا».
وقد رواه البخاري في الأدب المفرد فقال: حدثنا عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف عن الحسن عن عتي بن ضمرة قال: رأيت عند أبي ﵁ رجلًا تعزى بعزاء الجاهلية فأعضه أبي ولم يكنه فنظر إليه أصحابه قال: كأنكم أنكرتموه فقال: إني لا أهاب في هذا أحدًا أبدًا إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوه» إسناده صحيح.
ثم رواه أيضا عن عثمان قال: حدثنا المبارك - يعني ابن حسان السلمي- عن حسن عن عتي مثله، وهذا إسناد جيد.
قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب: العزاء والعزوة اسم لدعوى المستغيث وهو أن يقول: يا فلان أو يا للأنصار ويا للمهاجرين. ومنه الحديث الآخر من لم يتعز بعزاء الله فليس منا أي من لم يدع بدعوى الإسلام فيقول: يا للإسلام أو يا للمسلمين أو يا ألله، ومنه حديث عمر: «ستكون للعرب دعوى قبائل فإذا كان كذلك فالسيف السيف حتى يقولوا: يا للمسلمين» انتهى.
والهن كناية عن الفرج قال ابن الأثير وابن منظور، وفي الحديث: «من
[ ٥٧ ]
تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». أي قولوا له عض أير أبيك انتهى، وفي هذا الحديث أبلغ ذم وتنفير من التداعي بدعوى الجاهلية والتعزي بعزائها.
ومن ذلك الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من القوميات والعصبيات، فمن دعا إلى شيء من ذلك فينبغي أن يقال له اعضض أير أبيك، ولا كرامة له ولا نعمة عين.
وقد روى أبو داود في سننه عن جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل عصبية وليس منا من مات على عصبية».
وروى أبو داود الطيالسي ومسلم والنسائي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية».
وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية» هذا لفظ مسلم، ولفظ النسائي «ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتل فقتلة جاهلية»، وفي رواية لمسلم: «ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي».
قوله تحت راية عمية. قال ابن الأثير قيل هو فعيلة من العماء الضلالة كالقتال في العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين. وقال النووي هي بضم العين، وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة
[ ٥٨ ]
مشددة والياء مشددة أيضًا قالوا: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية.
قلت: وكذا قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه الذي يقاتل تعصبًا لقومه أو أهل بلده ونحو ذلك. قال: وسمّى الراية عمياء لأنه أمر الأعمى الذي لا يدري وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه أو دعا بلسانه أو ضرب بيده.
وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل» فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: «الهرج القاتل والمقتول في النار».
قلت: وهذا الحديث يطابق حال أهل الثورات في زماننا.
قال الشيخ: ثم إنه - ﷺ - سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها، وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك فعلم أنه كان قد تقرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة وقتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية وهو المطلوب انتهى.
قال السندي في حاشيته على سنن النسائي وفيه أن من قاتل تعصبًا لا لإظهار دين ولا لإعلاء كلمة الله كان على الباطل انتهى. والعصبية والتعصب المحاماة والمدافعة قاله ابن الأثير وابن منظور.
[ ٥٩ ]
قال ابن منظور: والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.
قلت: وهذا هو غاية المقصود من القومية العربية، فإنها دعوة إلى نصرة العرب بعضهم بعضًا وتألبهم على غيرهم من أجناس بني آدم مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
وقد روى أبو داود في سننه عن بنت واثلة بن الأسقع أنها سمعت أباها ﵁ يقول: قلت: يا رسول الله ما العصبية؟ قال: «أن تعين قومك على الظلم».
ورواه البخاري في الأدب المفرد بنحوه ورواه ابن ماجه ولفظه قالت: سمعت أبي يقول سألت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: «لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم».
ولا يخفى على ذي علم ما تشتمل عليه القومية العربية من الظلم العظيم وهو التفريق بين أجناس المسلمين من العرب وغير العرب وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم وقطع الأخوة الإسلامية التي عقدها الله ورسوله بينهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
وثبت عن النبي - ﷺ - من عدة أوجه في الصحيحين وغيرهما أنه قال: «المسلم أخو المسلم».
[ ٦٠ ]