وحكم ساعات الفضة في حق الذكور كحكم ساعات الذهب أو قريب منه لما في تحليهم بهن من التشبه بالنساء. وأيضا فإنه إنما أبيح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف وحلية المنطقة ونحو ذلك مما روي عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أنهم ترخصوا فيه وما سوى ذلك فهو باق على المنع لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه الإمام أحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به من حديث عائشة ﵂.
وقد زعم بعض الناس أنه يجوز للرجال التوسع في لبس الفضة يعني من غير اقتصار على ما روي عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أنهم لبسوه واستدل بقول النبي - ﷺ -: «ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁.
ولو تأمل هذا القائل أول الحديث لعلم أنه لا حجة له فيه ولظهر له أن الرخصة في التحلي بالفضة إنما أريد بها النساء خاصة. ولفظ الحديث عند أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه سوارًا من نار فليسوره بسوار من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها»، فشدد على الرجال في تحلية نسائهم بالذهب ثم رخص لهم أن يلبسوهن من حلي الفضة ما شاءوا.
ويدل على أن الرخصة في حديث أبي هريرة ﵁ إنما هي للنساء دون الرجال حديث أخت حذيفة ﵁ وعنها قالت: خطبنا
[ ١٢١ ]
رسول الله - ﷺ - فقال: «يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به أما إنه ليس منكن امرأة تحلت ذهبًا تظهره إلا عذبت به»، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله سوارين من ذهب قال: «سواران من نار» قالت: يا رسول الله طوق من ذهب قال: «طوق نار» قالت: قرطين من ذهب قال: «قرطان من نار» قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما وقالت: يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده قال: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفره بزعفران أو بعبير» رواه الإمام أحمد والنسائي، قولها صلفت عنده معناه ثقلت عليه ولم تحظ عنده.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت تخدم النبي - ﷺ - قالت فبينا أنا عنده إذ جاءته خالتي قالت: فجعلت تسائله وعليها سواران من ذهب فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أيسرك أن عليك سوارين من نار» قالت: قلت: يا خالتاه إنما يعني سواريك هذين قالت: فألقتهما وقالت: يا نبي الله إنهن إذا لم يتحلين صلفن عند أزواجهن فضحك رسول الله - ﷺ - وقال: «أما تستطيع أن تجعل خوقًا من فضة وجمانة من فضة ثم تخلقه بزعفران فيكون كأنه من ذهب فإنه من تحلى وزن عين جرادة أو خربصيصة كوى بها يوم القيامة».
قال الجوهري وابن الأثير الخوق الحلقة. وقال ابن منظور الخوق: الحلقة من الذهب والفضة. وقيل: هي حلقة القرط والشنف خاصة. وقال
[ ١٢٢ ]
ثعلب الخوق حلقة في الأذن، قال ابن منظور: يقال ما في أذنها خرص ولا خوق انتهى. وأما الجمانة فقال الجوهري: حبة تعمل من الفضة كالدرة وجمعها جمان، وقال صاحب القاموس الجمان كغراب اللؤلؤ أو هنوات أشكال اللؤلؤ من فضة الواحدة جمانة انتهى وسيأتي تفسير الخربصيصة قريبًا إن شاء الله تعالى.
فهذه الأحاديث الثلاثة مطابقة لحديث أبي هريرة ﵁ ومزيلة لما قد يتوهمه منه من لم يمعن النظر فيه والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - وعليه خاتم من شبه فقال: «مالي أجد منك ريح الأصنام»؟ فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار»، فطرحه فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخذه قال: «اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا» قال الترمذي: هذا حديث غريب وصححه ابن حبان.
واحتج به الإمام أحمد فيما رواه الأثرم عنه فدل على صحته عنده.
وفي قوله: «ولا تتمه مثقالًا» دليل على أنه لا يجوز للرجال التوسع في لبس الفضة.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
وهذا الحديث من أقوى الأدلة على منع الرجال من التوسع في لبس الفضة لما في ذلك من التشبه بالكفار والله أعلم.
[ ١٢٣ ]
وبعد تحرير هذا الموضع وقفت على كلام للشيخ محمد بن مفلح رحمه الله تعالى قرر فيه ما ذكرته ههنا وأورد فيه أدلة كثيرة على منع الرجال من استعمال كثير الفضة، ولحسن كلامه وكثرة فوائده رأيت أن أسوقه كله ههنا وإن كان في بعض ما ذكره من الأحاديث نوع تكرار مع ما ذكرته.
قال أبو البركات ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه المحرر: ويباح للرجل من حلي الفضة الخاتم وقبيعة السيف.
قال ابن مفلح في النكت على المحرر: ظاهره تحريم لباس الفضة والتحلي بها إلا ما استثناه وعلى هذا كلام غيره صريحًا وظاهرًا ولم أجد أحدًا احتج لتحريم لباس الفضة على الرجال في الجملة ودليل ذلك فيه إشكال.
وحكي عن الشيخ تقي الدين أنه كان يستشكل هذه المسألة وربما توقف فيها. وكلامه في موضع يدل على إباحة لبس الفضة للرجل إلا ما دل دليل شرعي على تحريمه.
وقال في موضع آخر لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق - إلى أن قال- فلما كانت ألفاظه صلوات الله وسلامه عليه عامة في آنية الذهب والفضة وفي لباس الذهب استثنى من ذلك ما خصصته الأدلة الشرعية كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية للحاجة ونحو ذلك فأما لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة كان هذا دليلا على إباحة ذلك وما هو في معناه وما هو أولى منه بالإباحة وما لم يكن كذلك يحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه. انتهى.
[ ١٢٤ ]
كلامه وذلك لأن النص ورد في الذهب والحرير وآنية الذهب والفضة فليقتصر على مورد النص وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
قلت: قد تقدم ما رواه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
وهذا لفظ عام يدل على منع الرجال من لبس الذهب والفضة والحرير والديباج. ويخص من عمومه ما ثبت عن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ أنهم ترخصوا فيه وما سوى ذلك فهو باق على المنع كما تقدم تقريره. ومن ادعى إباحة شيء مما دخل في عموم هذا الحديث الصحيح فعليه إقامة الدليل على تخصيصه من العموم والله أعلم.
قال ابن مفلح: ووجه تحريم ذلك أن الفضة أحد النقدين اللذين تقوم بهما الجنايات والمتلفات وغير ذلك، وفيها السرف والمباهات والخيلاء ولا تختص معرفتها بخواص الناس فكانت محرمة على الرجال كالذهب ولأنها جنس يحرم فيها استعمال الإناء فحرم منها غيره كالذهب وهذا صحيح فإن التسوية بينهما في غيره. ولأن كل جنس حرم استعمال إناء منه حرم استعماله مطلقًا وإلا فلا وهذا استقراء صحيح وهو أحد الأدلة، ولأنه ﵊ رخص للنساء في الفضة وحضهن عليها ورغبهن فيها ولو كانت إباحتها عامة للرجال والنساء لما خصهن بالذكر ولأثبت ﵊ الإباحة عامة لعموم الفائدة بل يصرح بذكر الرجال لما فيه من كشف اللبس وإيضاح الحق. وذلك فيما قال الإمام
[ ١٢٥ ]
أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي عن امرأته عن أخت حذيفة قالت: خطبنا النبي - ﷺ - فقال: «يا معشر النساء ما منكن امرأة تتحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به»، رواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن منصور. حديث حسن. وربعي هو ابن حراش الإمام.
وقال أحمد أيضًا حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار حدثني أسيد بن أبي أسيد عن ابن أبي موسى عن أبيه أو عن ابن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سره أن يحلق حبيبته حلقة من نار فليحلقها حلقة من ذهب ولكن الفضة فالعبوا بها لعبًا»، وقوله: «فالعبوا بها لعبًا» يعني النساء؛ لأن السياق فيهمن فقوله: حلوا معاشر الرجال نساءكم بالفضة مطلقًا من غير حاجة ولا يحوج من كره.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت امرأة: يا رسول الله! طوق من ذهب قال: «طوق من نار» -إلى أن قال-: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفرهما بالزعفران»، رواه أحمد. ولأنه ﵊ سئل عن الخاتم من أي شيء أتخذه قال: «من ورق ولا تتمه مثقالًا» رواه جماعة منهم النسائي والترمذي، وقال: حديث غريب.
وهذا يدل على أنهم كانوا ممنوعين من استعمال الورق وإلا لما توجهت الإباحة إليه وأباح اليسير؛ لأنه نهى عن تتمته مثقالًا ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عنه ﵊ استعمال يسير الفضة ليكون ذلك حجة في اختصاصه بالإباحة ولو كانت الفضة مباحة مطلقًا لم يكن في نقلهم استعمال اليسير من ذلك كبير فائدة فقال أنس ﵁:
[ ١٢٦ ]
كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - فضة رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن غريب.
وقال مزيدة العصري دخل رسول الله - ﷺ - يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة، رواه الترمذي، وقال: غريب، وهذا كقول أنس ﵁ أن قدح النبي - ﷺ - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. لتكون حجة إباحة اليسير في الآنية.
وقد ثبت في الصحاح والسنن من حديث أنس ﵁ أنه - ﷺ - اتخذ خاتمًا من الفضة انتهى كلام ابن مفلح رحمه الله تعالى.
ولقد أجاد وأفاد وقرر الصواب الذي لا شك فيه وأوضح الأدلة على ذلك وأحسن التعقب والتزييف لما خالفه وفي أول تقريره لتحريم الفضة جملة فيها خلل وهي قوله: فإن التسوية بينهما في غيره.
ويظهر لي أن في العبارة سقطًا وأن صوابه هكذا: فإن التسوية بينهما في تحريم استعمال الإناء منهما تقتضي التسوية بينهما في غيره والله أعلم.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام "في قواعد الأحكام": لبس الذهب والتحلي به محرم على الرجال إلا لضرورة وحاجة ماسة، وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب وكذلك لبس الحرير لا يجوز للرجال إلا لضرورة أو حاجة ماسة. ويجوز لبس الحرير والتحلي بالذهب والفضة للنساء تحبيبا لهن إلى الرجال. فإن حبهن حاث على إيلادهن من يباهي به الرسول الأنبياء وينتفع به الوالد إن عاش بما جرت به العادة من الانتفاع
[ ١٢٧ ]