وأقبح من فعل المنافقين ما يذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا: إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى. وهذه ردة صريحة والله المسئول أن يقيض لأهلها ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق ﵁ لإخوانهم من قبل.
فصل
ومن اطراح الأحكام الشرعية ما يفعله كثير من المنتسبين إلى الإسلام من إبدال الحدود والتعزيرات بالحبس موافقة للإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وهذا مصداق ما في حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه.
فصل
النوع الثالث: من المشابهة وهو من أشنعها وأسوأها عاقبة ما ابتلي به بعض المنتسبين إلى الإسلام من تقليد الشيوعيين في ظلم الأغنياء وأخذ أموالهم قهرًا بغير حق بدعوى الاشتراك بين الأغنياء والفقراء في المال. وهذا المذهب الخبيث مأخوذ عن المزدكية من المجوس وأول من أحدثه زرادشت ثم أظهر ذلك مزدك في أيام قباذ ودعا الناس إليه.
وقد ذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي عن يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي أنه قال: كان أول ملوك المجوس كومرث فجاءهم بدينهم
[ ٣٠ ]
ثم تتابع مدعو النبوة فيهم حتى اشتهر بها زرادشت وكان مما سنه زرادشت عبادة النار والصلاة إلى الشمس، وكانوا يستحلون فروج الأمهات وقالوا الابن أحرى بتسكين شهوة أمه، وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة فإن لم يكن له ابن اكترى رجل من مال الميت ويجيزون للرجل أن يتزوج بمائة وألف وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ وأباح النساء لكل من شاء ونكح نساء قباذ لتقتدي به العامة فيفعلون في النساء مثله فلما بلغ إلى أم أنوشروان قال لقباذ أخرجها إليّ فإنك إن منعتني شهوتي لم يتم إيمانك فهم بإخراجها فجعل أنوشروان يبكي بين يدي مزدك ويقبل رجله بين يدي أبيه قباذ ويسأله أن يهب له أمه فقال قباذ لمزدك ألست تزعم أن المؤمن لا ينبغي أن يرد عن شهوته؟ قال: بلى قال: فلم ترد أنوشروان عن شهوته؟ قال: قد وهبتها له، ثم أطلق للناس في أكل الميتة فلما ولي أنوشروان أمتى المزدكية.
وقال القرماني في تاريخه (أخبار الدول وآثار الأول) في الكلام على ملوك الفرس من الساسانية الذي من جملتهم قباذ. قال: وكان قباذ ضعيفًا مهينا في ملكه في أيام ظهر مزدك الزنديق وإليه تضاف المزدكية فادعى النبوة وأمر الناس بالتساوي في الأموال وأن يشتركوا في النساء؛ لأنهم إخوة لأب وأم آدم وحواء ودخل قباذ في دينه فشق ذلك على الناس وعظم عليهم وأجمعوا على خلع قباذ. وانضم إلى مزدك جماعة وقالوا: نحن نقاسم الناس ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء فكانوا يدخلون على الرجل في بيته فيغلبونه على أمواله ونسائه، فوثب رجل من الأشراف يعرف بابن ساجور في جماعة من أصحابه على مزدك فقتله فلم تبق ناحية إلا خرج منها خارج فخلعوا قباذ وولوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز ولحق قباذ بالهياطلة فأنجدوه وانتصر على أخيه جاماسب وحبسه واستمر قباذ في
[ ٣١ ]
الملك حتى قتل في يد العرب بمدينة الري وكان ملكه إلى أن هلك ثلاثًا وأربعين سنة، ثم ملك بعده ابنه أنوشروان ولما تولى الملك كان صغيرًا فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه إني عاهدت الله إن صار الملك إلي أن أعيد آل المنذر إلى الحيرة ثانيا وأن أقتل طائفة المزدكية الذين أفسدوا في أموال الناس ونسائهم، وكان مزدك قائمًا إلى جانب السرير فقال: هل تقتل الناس جميعا هذا فساد في الأرض والله قد ولاك لتصلح لا لتفسد. فقال له أنوشروان يا ابن الخبيثة أتذكر وقد سألت أبي قباذ أن يأذن لك في المبيت عند أمي، فأمر لك فمضيت نحو حجرتها فلحقت بك وقبلت رجلك وما زال نتن جواربك في أنفي منذ ذلك اليوم إلى الآن وسألتك حتى وهبتها لي ورجعت؟ فقال: نعم فأمر بقتله فقتل بين يديه وأخرج وأحرقت جثته وأمر بقتل أتباعه فقتل منهم خلقًا كثيرًا وأثبت ملة المجوسية القديمة وكتب بذلك إلى أصحاب الولايات وقوى جنده بالأسلحة والكراع وعمر البلاد وقسم أموال الزنادقة على الفقراء ورد الأموال التي لها أصحاب إلى أصحابها وأجرى الأرزاق للضعيفات اللاتي مات عنهن أزواجهن وأمر أن يزوجهن من مال كسرى وكذلك فعل بالبنات اللاتي لم يوجد لهن أب وأما البنون الذين لم يوجد لهم أب فأضافهم إلى مماليكه ورد المنذر إلى الحيرة وطرد الحارث عنها وكان الحارث مزدكيًا انتهى.
وقد ذكر ابن جرير في تاريخه عن المزدكية نحو ما ذكره القرماني. فذكر أنهم قالوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء. ويردون من المكثرين على المقلين وأن من كان عنده فضل من الأموال
[ ٣٢ ]