وظاهر الرواية الأولى أنه لا يجوز تشييد المساجد وتضخيم بنائها لأن النفقة في ذلك من التبذير والسرف المذموم.
والأصل في هذا ما تقدم عن النبي - ﷺ - من قوله وفعله.
وما تقدم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء هم القدوة وفيهم الأسوة الحسنة.
وأما التشييد والزخرفة فهما من أفعال اليهود والنصارى وقد قال النبي - ﷺ -: «من رغب عن سنتي فليس مني» أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس ﵁. وقال - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره.
فصل
النوع الحادي والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الصلاة في النعال والخفاف بالكلية لما رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما والحاكم في مستدركه عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم».
ورواه الطبراني في معجمه الكبير ولفظه: «صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي هذا الحديث رد على الموسوسين الذين لا يصلون في النعال ولا في الخفاف ولا يدخلون المساجد فيها إما بالكلية كما في بعض
[ ١٧٩ ]
الأماكن وإما إلى موضع الصلاة كما في أماكن أخر، وهذا من الغلو والتعمق والرغبة عما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃ فإنهم كانوا يدخلون المساجد في النعال والخفاف ويصلون فيها كما في الصحيحين عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك ﵁ أكان النبي - ﷺ - يصلي في نعليه؟ قال: نعم ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي حبيبة وعبد الله بن عمرو وعمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفي وأبي هريرة وعطاء رجل من بني شيبة.
وفي الصحيحين أيضًا عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله ﵁ بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى فسئل فقال رأيت النبي - ﷺ - صنع مثل هذا. هذا لفظ البخاري.
وفي الصحيحين أيضًا عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: وضأت النبي - ﷺ - فمسح على خفيه وصلى. هذا لفظ البخاري.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس وكان أوس -يعني ابن حذيفة الثقفي- جده قال: أشار إلي جدي أن أناوله نعليه وهو يصلي فناولته فلبسهما وهو يصلي فلما صلى قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في نعليه. إسناده صحيح على شرط مسلم وقد رواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة فذكره بنحوه.
[ ١٨٠ ]
وروى ابن ماجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقد رأينا رسول الله - ﷺ - يصلي في النعلين والخفين.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه قصة وهي أن عبد الله بن مسعود ﵁ أتى أبا موسى الأشعري في منزله فحضرت الصلاة فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنًا وأعلم قال: لا بل تقدم أنت فإنما أتيناك في منزلك ومسجدك فأنت أحق قال فتقدم أبو موسى فخلع نعليه فلما سلم قال: ما أردت إلى خلعهما أبالوادي المقدس أنت لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في الخفين والنعلين.
وفي المسند أيضًا وسنني أبي داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي حافيًا ومنتعلًا.
في المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي قائمًا وقاعدًا وحافيًا ومنتعلًا.
وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث مكحول عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي حافيًا ومنتعلًا وينصرف عن يمنه وعن شماله.
وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما النبي - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى النبي القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله - ﷺ -: «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا -وقال-
[ ١٨١ ]
إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنعليه وفيهما قذر فأخبره جبريل فحذفهما وأتم صلاته.
وفي مستدرك الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - لم يخلع نعليه في الصلاة قط إلا مرة واحدة خلع فخلع الناس فقال: «مالكم»؟ قالوا: خلعت فخلعنا فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس ﵄. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: الصلاة في النعلين وقد صلى رسول الله - ﷺ - في نعليه فخلعهما فخلع الناس فلما قضى الصلاة قال: «لم خلعتم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا قال: «إن جبريل ﵇ أتاني فقال إن فيهما دم حلمة».
فهذا ما تيسر إيراده من الأحاديث الدالة على أن الصلاة في النعال والخفاف سنة عن رسول الله - ﷺ - أمر بها وفعلها هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولهذا لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أيصلي الرجل في نعليه؟ قال: إي والله، فأما الصلاة في الخفاف فلا يزال العمل بها باقيًا في كثير من البلاد الإسلامية حتى الآن.
[ ١٨٢ ]
وأما الصلاة في النعال فقد عفى أثرها في هذه الأزمان حتى صارت في بعض الأماكن من قبيل البدع ومنكرات الأفعال. وبعض المنتسبين إلى الإسلام ينكرون الصلاة في النعال والخفاف معًا.
ولما ذكر بعض أهل السنة لبعض المنتسبين إلى العلم من أولئك ما هم عليه من البدع والمنكرات قال له: وأنتم تفعلون أمرا منكرًا وهو الصلاة في الخفاف.
قلت: وهذا دليل على استحكام غربة الدين في زماننا حتى عاد المعروف عند الأكثرين منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة.
ومن غلو الموسوسين وتعمقهم أنهم يمنعون غيرهم من دخول المساجد في النعال والخفاف وينكرون ذلك عليهم أشد الإنكار ولو رأوا أحدًا يدخل المساجد في نعليه أو خفيه لاستعظموا ذلك واشتد إنكارهم على فاعله وإنما يحملهم على هذا جهلهم بالسنة وما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين من التيسير وترك التعسير.
وحجة الموسوسين على المنع من دخول المساجد بالنعال والخفاف أنها مظنة للتلوث بالنجاسة. وقد جاءت السنة بكشف هذه الشبهة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول لله - ﷺ - قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي وأبو داود السجستاني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له
[ ١٨٣ ]