مشركي العرب فإنهم كانوا يصنعون الصور وينصبونها ولكن كان عملها واتخاذها قليلًا عندهم بالنسبة إلى النصارى.
وقد صور مشركو قريش في جوف الكعبة صورًا منها صورة إبراهيم وصورة إسماعيل وصورة مريم في حجرها عيسى فالمصورون من هذه الأمة والمتخذون للصور متشبهون بقوم نوح وبالنصارى وبمشركي العرب وبأمم الكفر في زماننا ومن تشبه بقوم فهو منهم.
والكلام في ذم التصاوير وتحريم صناعتها واتخاذها مبسوط في كتابي «إعلان النكير على المفتونين بالتصوير» فليراجع هناك.
فصل
النوع العشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما ابتلي به كثير من المسلمين قديما وحديثا من تشييد المساجد وزخرفتها والتباهي بها.
وقد عاد تشييد الماضين وزخرفتهم ومباهاتهم كل شيء بالنسبة إلى تشييد أهل زماننا وزخرفتهم ومباهاة بعضهم بعضًا. وهذا من أشراط الساعة كما في حديث أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه الإمام أحمد والدارمي وأهل السنن إلا الترمذي وصححه ابن حبان.
ولفظ النسائي: «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» وقال البخاري في صحيحه: قال أنس ﵁: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا».
[ ١٧٣ ]
قال ابن حجر: هذا التعليق هذا التعليق رويناه موصولًا في مسند أبي يعلى وصحيح ابن خزيمة من طريق أبي قلابة أن أنسًا ﵁ قال: سمعته يقول: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلًا» ثم قال: تنبيه.
قوله: ثم لا يعمرونها المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد بنيانها انتهى.
وروى الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁: «أن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب».
وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث مكحول عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للساعة أشراط» قيل: وما أشراطها؟ قال: «غلو أهل الفسق في المساجد وظهور أهل المنكر على أهل المعروف» قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله قال: «دع وكن حلسًا من أحلاس بيتك» وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا ظهورًا جليًّا وهذا يدل على اقتراب الساعة.
وقد وردت الأحاديث بالترغيب في الاقتصاد في بناء المساجد وذم تشييدها وزخرفتها وبيان أن التشييد والزخرفة من فعل اليهود والنصارى.
قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه «باب بنيان المسجد» وقال أبو سعيد ﵁ كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ﵁ ببناء المسجد، وقال: «أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس».
وقال أنس ﵁: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا.
[ ١٧٤ ]
وقال ابن عباس ﵄: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. ثم ساق البخاري بإسناده عن نافع أن عبد الله يعني ابن عمر ﵄ أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئا وزاد فيه عمر ﵁ وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا ثم غيره عثمان ﵁ فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. وقد روى هذه الحديث أبو داود في سننه قال والقصة الجص.
وقال ابن حجر في الفتح: قال ابن بطال وغيره هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه فقد كان عمر ﵁ مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك ابن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة انتهى.
وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: لما بنى رسول الله - ﷺ - المسجد أعانه عليه أصحابه فقال: «ابنو عريشًا كعريش موسى» فقلت للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يديه بلغ العريش يعني السقف. وهذا مرسل.
[ ١٧٥ ]
وروى البيهقي أيضا من حديث حماد بن سلمة عن أبي سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة ﵁ أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه إلى متى نصلي تحت هذا الجريد فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى» قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
قلت: وقد احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى وما ذلك إلا لثبوته عنده قال في رواية المروذي: قد سألوا النبي - ﷺ - أن يكحل المسجد قال: «لا عريش كعريش موسى» قال أبو عبد الله: إنما هو شيء مثل الكحل يطلى به أي فلم يرخص النبي - ﷺ - فيه. انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وفي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس ﵄: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
وروى البخاري في صحيحه قول ابن عباس ﵄ تعليقا مجزومًا به وتقدم ذكره.
قال الخطابي وغيره التشييد رفع البناء وتطويله.
قلت: وفي قوله «ما أمرت بتشييد المساجد» نوع من التوبيخ والتأنيب لمن فعل ذلك من هذه الأمة.
قال علي القاري ما معناه، أن تشييد المساجد وتزيينها بدعة لأنه لم يفعله رسول الله - ﷺ - وفيه موافقة لأهل الكتاب انتهى.
وقال الخطابي: قوله لتزخرفنها معناه لتزيننها وأصل الزخرف الذهب
[ ١٧٦ ]
يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها انتهى. وقوله: ونحوه يعني من كل ما تزين به المساجد من الأصباغ والنقوش فهو أعم من تمويهها بالذهب واللام في قوله: لتزخرفنها لام القسم والنون للتأكيد يعني أن التشبه باليهود والنصارى في زخرفة المساجد واقع في هذه الأمة ولابد.
وقد استند ابن عباس ﵄ في قوله: لتزخرفنها إلى آخره على ما رواه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها وكما شرفت النصارى بيعها» رواه ابن ماجه.
وله أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» قال ابن حجر رجاله ثقات إلا جبارة بن المغلس شيخه يعني: ابن ماجه ففيه مقال.
قلت: وحديث ابن عباس ﵄ في إسناده جبارة بن المغلس، وفيه أيضًا ليث وهو ابن أبي سليم، وفيه مقال، وبقية رجاله ثقات.
وذكر المروذي في كتاب «الورع» عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فعليكم الدمار» وروى أبو نعيم في «الحلية» عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:» إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم».
وذكر المروذي في كتاب "الورع" عن أبي فزارة عن مسلم البطين
[ ١٧٧ ]
قال: مر علي ﵁ بمسجد التيم وهو مشرف فقال: هذه بيعة التيم؟ قلت: هذا إنكار من علي ﵁ على الذين شرفوا مسجدهم وفي ضمن هذا الإنكار توبيخ لهم وتأنيب على التشبه بالنصارى في جعلهم المسجد مشرفًا كالبيعة.
وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال دخلت مع ابن عمر ﵄ مسجدًا بالجحفة فنظر إلى شرفات، فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا يعني الشرفات شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر. إسناده جيد.
وإذا كان هذا قول علي وابن عمر ﵄ في تشريف المسجد فكيف لو رأيا ما يفعله كثير من الناس في زماننا من تضخيم بناء المساجد وتشريفها بالشرفات الكثيرة وزخرفتها بالأصباغ والألوان المختلفة وتبذير الأموال الكثيرة في ذلك فالله المستعان.
قال المروذي أيضًا: ذكرت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد بن حنبل- مسجدًا قد بني وأنفق عليه مال كثير فاسترجع وأنكر ما قلت.
وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله إن ابن أسلم الطوسي لا يجصص مسجده ولا بطوس مسجد مجصص إلا قلع جصه فقال أبو عبد الله هو من زينة الدنيا.
قلت: وهذا يقتضي أنه لا ينبغي تجصيص المساجد فضلًا عن زخرفتها وتزيينها بالأصباغ والألوان المختلفة.
[ ١٧٨ ]