فصل
إذا علم ما ذكرنا فأعياد المسلمين الزمانية منحصرة في سبعة أيام: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان»؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى أبو داود أيضًا والترمذي والحاكم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب»، قال الترمذي: حديث صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله - ﷺ - قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك والشافعي مرسلًا.
وقد رواه ابن ماجه والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكره بنحوه.
[ ٨١ ]
وروى الطبراني أيضًا من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا فاغتسلوا وعليكم بالسواك».
وروى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الكنى والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده»، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا الترمذي عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم. قال: أشهدت مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم واحد قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون»، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ولابن ماجه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ مثله، وله أيضا عن ابن عمر ﵄ قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله
[ ٨٢ ]
- ﷺ - فصلى بالناس ثم قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها ومن شاء أن يتخلف فليتخلف».
وروى الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: اجتمع عيدان على عهد النبي - ﷺ - فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج».
وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان ﵁ فجاء فصلى ثم انصرف فخطب وقال: «إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له».
وفي سنن النسائي ومستدرك الحاكم عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ولم يصل بالناس يوم الجمعة فذكر ذلك لابن عباس ﵄، فقال: أصاب السنة، زاد الحاكم فبلغ ابن الزبير فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه.
وفي رواية له عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
[ ٨٣ ]
وروى ابن جرير في تفسيره والطبراني في الأوسط عن قبيصة عن ذؤيب قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه فقال عمر ﵁: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر ﵁: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ.
وروى الترمذي في جامعه وابن جرير في تفسيره عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس ﵄: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، وعنده يهودي فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا فقال ابن عباس ﵄ فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس ﵄.
والغرض من سياق حديث عبيد بن السباق وما بعده الدلالة على أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين.
وأما الأعياد المكانية للمسلمين فهي منحصرة في مواضع الحج ومشاعره المعظمة. فالكعبة والمسجد الحرام عيد للمسلمين، والصفا والمروة وموضع السعي بينهما عيد للحجاج والمعتمرين. وعرفات ومزدلفة ومنى أعياد للحاج في أيام الحج، فمن اتخذ عيدًا مكانيًا سوى هذه الأمكنة أو عيدًا زمانيًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها فقد ابتدع في الدين وتشبه باليهود والنصارى والمشركين، ومن تشبه بقوم فهو منهم وما أكثر المتشبهين بهم في اتخاذ الأعياد المبتدعة من زمانية ومكانية والله المستعان.
[ ٨٤ ]