بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدى أولياءه إلى صراط مستقيم، ووفقهم لمخالفة أصحاب الجحيم. فضلا منه ونعمة والله ذو الفضل العظيم. أحمده سبحانه على فضله العميم. وأشكره وهو المستحق للحمد والشكر والتعظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو العزيز الحكيم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله المصطفى الكريم. الذي حذَّر أمته من مشابهة الكفار وأخبر أن هديه مخالف لهديهم الذميم. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الدين القويم. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن اليهود والنصارى والمجوس، وأكد ذلك بالقسم عليه تحقيقًا لوقوعه والأحاديث في ذلك كثيرة.
الأول: منها ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن؟».
قال النووي: السنن بفتح السين والنون وهو الطريق. وقال ابن حجر العسقلاني بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناه بضمها، وقال
[ ٧ ]
المهلب: بالفتح أولى؛ لأنه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر وهو الطريق، قال ابن حجر وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك انتهى. قال عياض الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه. وكذا قال النووي. قال وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ - فقد وقع ما أخبر به. وقال ابن حجر قد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ - وسيقع بقية ذلك انتهى.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم، فقال: ومن الناس إلا أولئك؟» رواه البخاري بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجه ولفظه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم باعًا بباع وذراعًا بذراع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن إذًا؟!». ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال ابن حجر في فتح الباري الأخذ بفتح الألف وسكون الخاء على الأشهر هو السيرة يقال أخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته وما أخذ أخذه أي ما فعل فعله وما قصد قصده انتهى.
الحديث الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا من يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن إلا هم؟» رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وإسناده جيد.
[ ٨ ]
الحديث الرابع: عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذارعًا بذارع وباعًا بباع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» رواه محمد بن نصر المروزي والبزار بأسانيد جيدة والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك» رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بنحوه مختصرًا، وإسناده حسن.
الحديث السادس: عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ولتأخذن مثل مأخذهم إن شبرا فشبر وإن ذراعًا فذراع وإن باعًا فباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه» رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة.
الحديث السابع: عن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله - ﷺ - قال: «لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة» رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ومحمد بن نصر في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة.
الحديث الثامن: عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم». رواه
[ ٩ ]
الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ولفظه: «إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم»، ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بنحوه وأسانيده كلها جيدة.
الحديث التاسع: عن المستورد بن شداد ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه» رواه الطبراني.
الحديث العاشر: عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم» رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بهذا اللفظ، ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: «لتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذا الأثر له حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال إلا عن توقيف، وقد قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وروى ابن جريج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «لتأخذنَّ كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعًا بذراع وشبرًا بشبر وباعًا بباع حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه» قال أبو هريرة ﵁ اقرءوا إن شئتم: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية. قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: «فهل الناس إلا
[ ١٠ ]
هم؟» وروى ابن جريج أيضا عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية قال ابن عباس ﵄: «ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم» لا أعلم إلا أنه قال: «والذين نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه».
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بإسناد جيد عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا كائن فيكم».
وذكر البغوي في تفسيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟». وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «إن أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل أنتم تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله». وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل والله لا تدعون شيئًا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله» فقال رجل أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: «نعم. ممن أسلم وعرف نسبه»، وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: «والله ما من شيء كان ممن قبلكم إلا سيكون فيكم».
وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرّها» وروى محمد بن نصر أيضًا عن همام بن الحارث قال: كنا عند حذيفة ﵁ فذكروا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فقال رجل من القوم إنما
[ ١١ ]