وقد روى الأثرم بإسناده عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: من حلى أو تحلى بخربصيصة كوي بها يوم القيامة مغفورا له أو معذبًا، وهذا له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال إلا عن توقيف، وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث في رواية الأثرم.
قال الأثرم: قلت أي شيء خربصيصة؟ قال شيء صغير مثل الشعيرة. وقال الهروي وغيره من أهل اللغة الخربصيصة هي الهنة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة.
وإذا كان الأمر هكذا في التحلي بالخربصيصة التي هي مثل عين الجرادة في الصغر فكيف بالتحلي بما هو أكبر من ذلك بكثير كالساعات والخواتيم والأزارير والأسنان وأغلفتها وغير ذلك من حلي الذهب مما قد كثر استعماله في زماننا واستحله كثير من الجهال فالله المستعان.
فصل
وأما لبس الحرير فقد ورد التصريح بتحريمه على الذكور فيما رواه عمر وعلي وأبو موسى وعبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر وزيد بن أرقم وواثلة بن الأسقع ﵃ وقد تقدمت أحاديثهم قريبًا. ومن الأحاديث الصريحة في التحريم حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير» رواه البخاري تعليقًا وأبو داود موصولًا وهذا لفظه.
[ ١٢٩ ]
ومن الأحاديث في هذا الباب أيضًا حديث علي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير» رواه ابن المبارك في الزهد وابن عساكر في تاريخه. ورواه البخاري في التاريخ الكبير ولفظه قال: «يوشك أن يستحلوا الخمر والحرير»، وفي نسخة: «الحر والحرير».
ومن الأحاديث في هذا الباب أيضا حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك أعفر ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير»، رواه الدارمي في سننه وقال: وقد سئل عن أعفر فقال: يشبهه بالتراب وليس فيه خير. وقال ابن الأثير في النهاية أي ملك يساس بالنكر والدهاء من قولهم للخبيث المنكر عفر والعفارة الخبث والشيطنة ومنه الحديث: «أن الله تعالى يبغض العفرية النفرية هو الداهي الخبيث الشرير ومنه العفريت»، انتهى. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من طريق عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ بدأ هذا الأمر بنبوة ورحمة وكائنًا خلافة ورحمة وكائنًا ملكًا عضوضًا وكائنًا عتوا وجبرية وفسادًا في الأرض يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله».
وورد أيضًا النهي عن الحرير في عدة أحاديث وفي بعضها النهي عنه وعن الديباج والإستبرق والقسي والمعصفر والمياثر. والنهي يقتضي التحريم كما تقدم تقرير ذلك قريبًا، وورد أيضًا التغليظ فيه والكراهة
[ ١٣٠ ]
الشديدة له وهجر لابسه والإنكار عليه وذلك مما يقتضي التحريم أيضًا.
فأما أحاديث النهي عنه فقد تقدم ستة منها قريبًا.
أولها: حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج»، وفي لفظه: «نهانا عن الحرير والديباج» الحديث. رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن.
ثانيها: حديث معاوية ﵁ أن النبي - ﷺ -: «نهى عن لبس الذهب والحرير»، رواه الطبراني في الكبير.
ثالثها: حديث البراء بن عازب ﵄ المخرج في الصحيحين وغيرهما قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع فذكر المأمورات ثم قال: «ونهى عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق».
فأما المياثر والقسي فسيأتي الكلام عليهما بعد الحديث الرابع. وأما الحرير فمعروف، وأما الديباج والإستبرق فقال الحافظ ابن حجر أنهما صنفان نفيسان من الحرير.
وقال ابن الأثير: الديباج هو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب والإستبرق ما غلظ من الحرير والإبريسم وهي لفظة أعجمية معربة أصلها استبرة. وقال الجوهري الإستبرق الديباج الغليظ.
وفي الصحيحين وسنن النسائي عن يحيى بن أبي إسحاق قال: قال لي سالم بن عبد الله ما الإستبرق؟ قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه.
[ ١٣١ ]
الرابع: حديث علي ﵁ الذي رواه مالك وأحمد وأبو داود الطيالسي وأهل السنن أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن لبس القسي والمعصفر»، الحديث.
وروى الدارقطني في سننه عن أبي بردة قال: انطلقت أنا وأبي إلى علي ابن أبي طالب ﵁ فقال لنا: إن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن آنية الذهب والفضة أن يشرب فيها وأن يؤكل فيها ونهى عن القسي والميثرة وعن ثياب الحرير وخاتم الذهب».
وروى الإمام أحمد والنسائي عن مالك بن عمير قال: كنت قاعدًا عند علي ﵁ فجاء صعصعة بن صوحان فسلم ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين انهنا عما نهاك عنه رسول الله - ﷺ - فقال: «نهانا عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير ونهانا عن القسي والميثرة الحمراء وعن الحرير والحلق الذهب»، هذا لفظ أحمد.
وفي رواية له أيضًا ولمسلم: «نهاني رسول الله - ﷺ - عن لبس القسي وعن جلوس على المياثر»، قال: فأما القسي فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شبه كذا وأما المياثر فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف الأرجوان. ورواه البخاري في صحيحه معلقًا فقال وقال عاصم عن أبي بردة قال: قلت لعلي ﵁ ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج والميثرة كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفونها ثم ساق حديث البراء بن عازب ﵄ قال: «نهانا رسول الله - ﷺ - عن المياثر الحمر والقسي».
[ ١٣٢ ]
قال الجوهري: القسي ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير، وفي الحديث أنه نهى عن لبس القسي قال أبو عبيد هو منسوب إلى بلاد يقال لها القس قال: وقد رأيتها ولم يعرفها الأصمعي قال: وأصحاب الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مصر بالفتح انتهى كلام الجوهري.
وقال الهروي هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على شاطئ البحر قريبًا من تنيس يقال لها: القس بفتح القاف وبعض أهل الحديث يكسرها انتهى.
وأما المياثر فهي جمع ميثرة بكسر الميم وهو ما كان وطيئًا لينًا مما يجلس عليه ويرتفق به قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة: هي من مراكب العجم. قال الهروي: وتعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته، وقال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير.
قال الحافظ ابن حجر: وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريرًا ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء. وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم انتهى.
وقد علل بعض السلف النهي عن المياثر الحمر والثياب الحمر بأنها من زينة قارون، قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن المرأة تلبس المصبوغ الأحمر فكرهه كراهة شديدة وقال: أما إن تريد الزينة فلا وقال:
[ ١٣٣ ]
يقال: إن أول من لبس الثياب الحمر قارون أو فرعون ثم قرأ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال: في ثياب حمر.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال في ثياب أرجوان حمر وعن قتادة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قال: على ألف بغلة شهباء عليها مياثر الأرجوان.
قال الجوهري: الأرجوان صبغ أحمر شديد الحمرة وقال غيره: هو الصوف وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان ذكره الحافظ ابن حجر قال الجوهري، ويقال أيضًا الأرجوان معرب وهو بالفارسية أرغوان وهو شجر له نور أحمر أحسن ما يكون وكل لون يشبهه فهو أرجوان قال عمرو بن كلثوم:
كأن ثيابنا منا ومنهم خضبن بأرجوان أو طلينا
وقد كثر في زماننا استعمال المياثر الحمر في مجالس الكبراء والمترفين وقد قيل: إن بعضها من الديباج وما كان منه فالجلوس عليه لا يجوز لنهي رسول الله - ﷺ - عن الجلوس عليه في الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ وتقدم ذكره.
وتقدم أيضا أن النهي يقتضي التحريم إلا ما عرفت إباحته، وما كان من غير الديباج فالظاهر أنه لا يجوز الجلوس عليه أيضا لنهي رسول الله - ﷺ - عن المياثر ولما في ذلك من التشبه بالأعاجم والتشبه بهم حرام والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا أركب الأرجوان ولا ألبس
[ ١٣٤ ]
المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الخامس: حديث عائشة ﵂ قالت: «نهى رسول الله - ﷺ - عن لبس الحرير والذهب»، رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية من طريقه.
السادس: حديث معاوية ﵁ أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن النوح والشعر والتصاوير وجلود السباع والتبرج والغناء والذهب والخز والحرير» رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه.
الحديث السابع عن أبي عثمان النهدي قال أتانا كتاب عمر ﵁ ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن الحرير إلا هكذا» وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام قال فيما علمنا أنه يعني الأعلام متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي بنحوه، وفي رواية أبي داود أن النبي - ﷺ -: «نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة».
وفي رواية ابن ماجه أن عمر ﵁: «كان ينهى عن الحرير والديباج إلا ما كان هكذا» ثم أشار بإصبعه ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة فقال: «كان رسول الله - ﷺ - ينهانا عنه».
وقد رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي من حديث سويد بن غفلة أن عمر ﵁ خطب بالجابية فقال: «نهى نبي الله - ﷺ - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١٣٥ ]
الحديث الثامن عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدي للنبي - ﷺ - جبة سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» متفق عليه.
الحديث التاسع عن عمران بن حصين ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن لبس الحرير وعن التختم بالذهب وعن الشرب في الحناتم» رواه النسائي بهذا اللفظ والترمذي مختصرًا، وقال: حديث حسن صحيح.
الحديث العاشر عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الحرير والذهب ومياثر النمور» رواه النسائي بهذا اللفظ ورواه أبو داود مطولًا، وفيه قصة وعنده أن المقدام قال لمعاوية بن أبي سفيان ﵄: أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله - ﷺ - «نهى عن لبس الحرير؟» قال: نعم.
الحديث الحادي عشر عن أبي شيخ الهنائي قال: سمعت معاوية وحوله ناس من المهاجرين والأنصار فقال لهم: أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - «نهى عن لبس الحرير؟» قالوا: اللهم نعم، رواه النسائي.
الحديث الثاني عشر عن أبي ريحانة ﵁ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن عشر وذكر منها أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم» رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي.
[ ١٣٦ ]
الحديث الثالث عشر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لبس النبي - ﷺ - يومًا قباء من ديباج أهدي له ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله! فقال: «نهاني عنه جبريل» فجاءه عمر يبكي فقال: يا رسول الله - ﷺ - كرهت أمرًا وأعطيتنيه فمالي؟ قال: «إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.
وأما الأحاديث في التغليظ في لبس الحرير والكراهة الشديدة له وهجر لابسه والإنكار عليه.
فالأول منها ما في الصحيحين والموطأ ومسندي الشافعي وأحمد والسنن إلا الترمذي عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، ثم جاءت رسول الله - ﷺ - منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة فقال: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت قال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أكسكها لتلبسها» فكساها عمر بن الخطاب ﵁ أخًا له بمكة مشركًا.
وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: رأى عمر ﵁ عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم فقال عمر يا رسول الله إني رأيت عطاردًا يقيم في السوق حلة سيراء فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك
[ ١٣٧ ]
وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله - ﷺ - بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة وقال: شققها خمرًا بين نسائك قال: فجاء عمر بحلته يحملها فقال: يا رسول الله بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت. فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها»، وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله - ﷺ - نظرًا عرف أن رسول الله - ﷺ - قد أنكر ما صنع فقال: يا رسول الله ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بها فقال: «إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين نسائك».
ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. وفي الصحيحين والمسند وسنني أبي داود والنسائي من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه نحو حديث نافع عنه.
قال الجوهري: السيراء بكسر السين وفتح الياء برد فيه خطوط صفر وقال ابن الأثير: السيراء بكسر السين وفتح الياء والمدنوع من البرود يخالطه حرير كالسيور. وقال الخطابي: السيراء هي المضلعة بالحرير.
قلت: وقد جاء تفسير السيراء في حديث أنس بن مالك ﵁ أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - بردًا سيراء قال: والسيراء المضلع بالقز رواه أبو داود والنسائي. ورواه الحاكم في مستدركه مختصرًا وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الحديث الثاني عن عمران بن حطان قال: سألت عائشة رضي الله
[ ١٣٨ ]
عنها فقالت: ائت ابن عباس فسله قال: فسألته فقال: سل ابن عمر قال فسألت ابن عمر ﵄ فقال: أخبرني أبو حفص يعني عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة»، فقلت: صدق وما كذب أبو حفص على رسول الله - ﷺ - رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وهذا لفظ البخاري.
وعند أحمد والنسائي أن عمران بن حطان سأل ابن عباس ﵄ أولًا فقال: سل عائشة فسأل عائشة فقالت: سل ابن عمر فسأل ابن عمر فقال: حدثني أبو حفص أن رسول الله - ﷺ - قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلا خلاق له في الآخرة».
وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» هذا لفظ مسلم.
ولفظ أحمد: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة».
وفي المسند أيضًا عن علي بن زيد قال: قدمت المدينة فدخلت على سالم بن عبد الله وعلي جبة خز فقال لي سالم: ما تصنع بهذه الثياب؟ سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له».
وقد اختلف في تفسير الخز، فقيل: إنه رديء الحرير، وقيل: إنه القسي الذي تقدم ذكره في حديث علي ﵁، وقيل: إنه وبر مخلوط بحرير، وقال ابن الأثير: هو ضرب من ثياب الإبريسم، وقال ابن
[ ١٣٩ ]
حجر: الأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها من حرير ولحمتها من غيره. وقال ابن الأثير: الخز المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر قوم يستحلون الخز والحرير. انتهى.
وما ذكره من الإباحة في النوع الأول ينتقض بما ذكره من النهي عنه لأن النهي عن الشيء يقتضي تحريمه ما لم يقم دليل على أن النهي للكراهة.
وينتقض أيضًا بقوله: إنه من زي العجم والمترفين لأن التزيي بزيهم غير مباح، وقد تقدم حديث من تشبه بقوم فهو منهم. وحديث ليس منا من تشبه بغيرنا، وأقل الأحوال في هذين الحديثين أنهما يقتضيان تحريم التشبه بالأعاجم.
وأما ما ذكره عن الصحابة والتابعين من لبس الخز فقد روي ذلك عن جماعة منهم لا عن جميعهم وهو محمول على أنه لم يبلغهم النهي عنه وقد يكون ما لبسوه من الخز الذي ليس فيه حرير.
فقد قيل: إن أصل الخز اسم دابة يقال لها الخز سمي الثوب المتخذ من وبره خزًا لنعومته ثم أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير ذكر هذا القول الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير. انتهى.
[ ١٤٠ ]
وقد تقدم التصريح بتحريم الخز في الحديث الذي رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري وهو حديث صحيح. وتقدم النهي عنه فيما رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه بأسانيد جيدة من حديث معاوية ﵁.
وروى الإمام أحمد والبخاري في التاريخ أيضًا وأبو داود بأسانيد جيدة عن معاوية أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تركبوا الخز ولا النمار».
وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن عن علي ﵁ أنه أهدي لرسول الله - ﷺ - حلة مكفوفة بحرير إما سداها وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته فقلت: يا رسول الله! ما أصنع بها ألبسها؟ قال: «لا، ولكن اجعلها خمرًا بين الفواطم».
فهذه الأحاديث الأربعة يشد بعضها بعضًا وفيها كفاية للاحتجاج على تحريم الخز والله أعلم.
وفي الصحيحين ومسندي أحمد وأبي داود الطيالسي وسنن النسائي عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، زاد أحمد في بعض الروايات وقال عبد الله بن الزبير: «ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة قال الله تعالى ﴿وِلِبَاسُهُم فِيْهَا حَرِيْرٌ﴾».
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن أبي عثمان النهدي قال: كنا مع عتبة بن فرقد فجاءنا كتاب عمر ﵁ أن
[ ١٤١ ]
رسول الله - ﷺ - قال: «لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة إلا هكذا»، وقال أبو عثمان بإصبعيه اللتين تليان الإبهام فرأيتهما إزرار الطيالسة حين رأيت الطيالسة.
الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة» أخرجاه في الصحيحين ورواه أحمد وابن ماجه بإسناد مسلم.
الحديث الرابع عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» رواه مسلم.
الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه حرير الجنة» رواه الإمام أحمد.
الحديث السادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من لبس الحرير في الدنيا حرمه في الآخرة» رواه ابن حبان في صحيحه.
الحديث السابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة ثم قال: لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ١٤٢ ]
الحديث الثامن: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لبس الحرير وشرب في الفضة فليس منا»، رواه الطبراني في الصغير وأبو نعيم في الحلية.
الحديث التاسع: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أهدي لرسول الله - ﷺ - فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين» متفق عليه.
الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتتبع الحرير من الثوب فينزعه» رواه البخاري في تاريخه.
الحديث الحادي عشر: عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا»، رواه الإمام أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الثاني عشر: عن أبي أمامة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله»، رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية.
الحديث الثالث عشر: عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو نعيم في الحلية.
الحديث الرابع عشر: عن الحسن بن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه
[ ١٤٣ ]
في الآخرة إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده.
ورواه الإمام أحمد بنحوه وزاد قال الحسن فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم فيجعلون حريرًا في ثيابهم وبيوتهم؟
الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أتى النبي - ﷺ - أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزرورة فقام النبي - ﷺ - مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه وقال: «ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل»؟، رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في مستدركه، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث السادس عشر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كساني النبي - ﷺ - حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي أخرجاه في الصحيحين والإمام أحمد في مسنده.
وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، قال: أهديت لرسول الله - ﷺ - حلة سيراء فبعث بها إليّ فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء».
وفي رواية لأحمد وأبي داود الطيالسي أن النبي - ﷺ - قال لعلي ﵁: «لست أرضى لك ما أكره لنفسي»، قال: فأمرني فشققتها بين نسائي خمرًا.
الحديث السابع عشر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي - ﷺ - فسلم فلم يرد عليه وكان في يده
[ ١٤٤ ]
خاتم من ذهب وعليه جبة حرير فألقاهما ثم سلم فرد ﵇ رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي في سننه.
الحديث الثامن عشر عن معاذ بن جبل ﵁ قال: رأى رسول الله - ﷺ - جبة مجيبة بحرير فقال: «طوق من نار يوم القيامة» رواه البزار والطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات.
الحديث التاسع عشر عن جويرية ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله ﷿ يومًا أو ثوبًا من النار يوم القيامة»، رواه الإمام أحمد والطبراني، وفي رواية: «من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة من النار أو ثوبًا من النار»، ورواه البزار عن حذيفة ﵁ موقوفًا: «من لبس ثوب حرير ألبسه الله يومًا من نار ليس من أيامكم ولكن من أيام الله الطوال».
الحديث العشرون عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «قال الله ﷿: من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس» رواه البزار قال المنذري: وإسناده حسن.
الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا» رواه الطبراني في الأوسط قال المنذري: ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق.
الحديث الثاني والعشرون عن علي بن أبي طالب ﵁ قال
[ ١٤٥ ]
قال رسول الله - ﷺ -: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرمًا وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
الحديث الثالث والعشرون عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» فذكرها ومنها أن يكون الحرير لباسًا وقال في آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» رواه أبو نعيم في الحلية.
الحديث الرابع والعشرون: عن عروة بن رويم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا عملت أمتي خمسًا فعليهم الدمار إذا ظهر فيهم التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء»، رواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية.
الحديث الخامس والعشرون: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو فيصبحون قد مسخوا خنازير وليخسفن بقبائل فيها وبدور فيها حتى يصبحوا فيقولوا خسف الليلة ببني فلان خسف الليل بدار بني فلان وأرسلت عليهم حصباء حجارة كما أرسلت على قوم لوط وأرسلت عليهم الريح العقيم
[ ١٤٦ ]
فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحم»، رواه أبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث السادس والعشرون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف» قالت عائشة ﵂ يا رسول الله وهم يقولون: لا إله إلا الله فقال: «إذا ظهرت القينات وظهر الزنا وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا»، رواه ابن أبي الدنيا.
الحديث السابع والعشرون: عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوف» رواه ابن أبي الدنيا.
الحديث الثامن والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف في متخذي القيان وشاربي الخمر ولابسي الحرير» رواه الطبراني.
الحديث التاسع والعشرون: عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم واتخاذهم القينات وشربهم الخمر وبأكلهم الربا ولبسهم الحرير»، رواه عبد الله ابن الإمام أحمد.
[ ١٤٧ ]