وغوغائهم الذين يفعلون هذا المنكر كثيرًا في غالب الأوقات ويضمون معه منكرات أخر.
منها إساءة الأدب مع النبي - ﷺ - بكثرة الضجيج حول قبره ورفع الأصوات عنده.
ومنها مخالفة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإنهم لم يكونوا يشدون الرحال إلى زيارة قبر النبي - ﷺ - ولم يكونوا يجتمعون حول قبره للسلام عليه فضلا عن الضجيج عنده ورفع الأصوات ولو كان ذلك خيرًا لسبقوا إليه ولكانوا أحرص عليه من غيرهم.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: الأفضل للناس اتباع السلف الصالح في كل شيء انتهى. وما أحسن قول الراجز:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خَلَف
وقد جاء في وصف الفرقة الناجية من هذه الأمة أنهم من كان على مثل ما عليه النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وحسنه.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول».
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول».
[ ٧٣ ]
وروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر المروزي عنه ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة».
وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد - ﷺ - كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا واقلها تكلفًا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ - ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد - ﷺ - كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»، وقد روى رزين نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁.
ومنها اختلاط الرجال بالنساء وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة» رواه الخلال، واختلاط الرجال بالنساء مما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة والفساد.
ولقد ذكر لنا أن بعض السفهاء هناك يغامزون النساء وربما وقع من بعضهم ما هو أعظم من ذلك وأطم وهو الشرك الأكبر ووسائله.
وقد حدثني بعض الثقات أن خدام المسجد النبوي إذا كانت ليلة الجمعة أخرجوا ما يلقيه الغوغاء داخل الشباك الذي حول الحجرة من أواني الطيب والكتب الكثيرة، قال: وقد عرض علي بعض الكتب التي تلقى هناك فإذا هي مشتملة على الشرك الأكبر.
فبعضهم يسأل المغفرة والرحمة من النبي - ﷺ -.
وبعضهم يسأل منه أن يهب له الأولاد.
وبعضهم يطلب منه تيسير النكاح إذا تعسر عليه.
إلى غير ذلك من الأمور التي كانوا يفزعون فيها إلى النبي - ﷺ -
[ ٧٤ ]
وينسون الرب الواحد الأحد الصمد المالك المتصرف في خلقه بما يشاء وله الحكمة التامة والحجة البالغة لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون، وقد قال ﵎ لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.
وقد عكس المشركون هذا الأمر فزعموا أن الرسول - ﷺ - يملك لهم الضر والرشد والإعطاء والمنع، وهذا عين المحادة لله تعالى ولرسوله - ﷺ -.
وهذه الأمور الشركية التي تفعل عند قبر النبي - ﷺ - وعند غيره من قبور الصالحين أو من يظن صلاحه هي من ثمرات الغلو الذي حذر منه رسول الله - ﷺ - أمته كما في المسند وسنني النسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» هذا لفظ ابن ماجه وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها التشويش على من حولهم في المسجد من المصلين والتالين للقرآن.
وقد روى مالك في الموطأ عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله - ﷺ - خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد
[ ٧٥ ]