قوله - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا انتهى.
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
قال ابن مفلح في قوله: ليس منا، هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عقيل بن مدرك السلمي قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء إسرائيل قل لقومك: لا يأكلوا طعام أعدائي ولا يشربوا شراب أعدائي ولا يتشكلوا شكل أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وروى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لقومك لا تدخلوا مداخل أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وروى الخلال عن حذيفة ﵁ أنه أتى بيتًا فرأى شيئا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم. وتقدم ما رواه البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أخبر - ﷺ - أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما
[ ١٨ ]
في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر. وأما فساد الدين فنوعان نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل العمل. فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية، وأما المتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم؛ لأن أعظم محال العمل هو الحرم، وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني - إلى أن قال- والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث، والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي: العادة وهي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض﴾، وقال النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم انتهى.
وقال أيضا في الكلام على قول النبي - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم»، قد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك. وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك، وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونه تشبها. والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه
[ ١٩ ]