وفي الحديث أنه - ﷺ - أكل مقعيًا. وقال أيضًا ورأيته محتفزًا أي مستوفزًا.
وقال صاحب القاموس احتفز استوفز وتضام في جلوسه واستوى جالسًا على وركيه انتهى.
وفي سنني أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: كان للنبي - ﷺ - قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد ثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثى رسول الله - ﷺ - فقال أعرابي: ما هذه الجلسة قال النبي - ﷺ -: «إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا» وذكر تمام الحديث. وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ ابن ماجه قال: أهديت للنبي - ﷺ - شاة فجثى رسول الله - ﷺ - على ركبتيه يأكل فقال أعرابي ما هذه الجلسة فقال: «إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا» قال النووي: إسناده جيد. وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. ونقل الحافظ عن ابن بطال أنه قال: إنما فعل النبي - ﷺ - ذلك تواضعًا لله تعالى.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن الحسن مرسلا قال كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى بطعام أمر به فألقي على الأرض وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
وروى أبو داود وابن ماجه في سننيهما والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه» هذا لفظ ابن ماجه.
[ ١٩٢ ]
وفي رواية أبي داود والحاكم «وهو منبطح على بطنه» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي والدارمي وأهل السنن إلا النسائي عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني لا آكل متكئًا».
وفي المسند وسنني أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ما رئي رسول الله - ﷺ - يأكل متكئًا ولا يطأ عقبيه رجلان.
وقد اختلف في صفة الاتكاء. فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان وقيل: أن يميل على أحد شقيه. وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري».
قال وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: «زجر النبي - ﷺ - أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل» قال مالك: هو نوع من الاتكاء قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئًا ولا يختص بصفة بعينها انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى فسر الاتكاء بالتربع. وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء. فنوع منها يضر بالآكل وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء.
وأما النوعان الآخران فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا
[ ١٩٣ ]
قال آكل كما يأكل العبد. قال وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى إني إذا أكلت لم أقعد متكئًا على الأوطية والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام لكني آكل بلغة كما يأكل العبد انتهى وهذا القول الأخير هو الذي قرره الخطابي ورد ما سواه.
قال في «معالم السنن»: يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلوما أن الآكل مائلا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله معدته وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنما المتكئ ههنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ. والاتكاء مأخوذ من الوكاء فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى: إني إذا أكلت لم أقعد متمكنًا على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزًا له انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في حكم الأكل متكئا. فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية.
وتعقبه البيهقي فقال قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهة انتهى. وقول البيهقي هو
[ ١٩٤ ]