وإنما المقصود ههنا التحذير من مشابهة المشركين في أعيادهم الزمانية والمكانية.
ومنها الاجتماع عند القبور واتخاذها أعيادًا وقصدها بالسفر وشد الرحال.
ومن هذا الباب ما يفعله الفئام من الناس من شد الرحال إلى زيارة قبر النبي - ﷺ - واتخاذه عيدًا يعتادون المجيء إليه والاجتماع عنده في كثير من الأوقات ولا سيما في أيام الحج حتى إن كثيرًا من الجهال يرون أنه لا يتم لأحدهم الحج إلا بزيارة قبر الشريف قبل الحج أو بعده ويتعلقون في ذلك بأحاديث واهية لا تقوم بشيء منها حجة ويعدلون عن النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - في النهي عن اتخاذ قبره عيدًا كما في سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» صححه النووي.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به قال يحيى بن معين هو ثقة وحسبك بابن معين موثقًا، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي ليس بالحافظ هو لين تعرف وتنكر.
قال الشيخ ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ وهذا له شواهد متعددة.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إسناده حسن ورواته كلهم ثقات مشاهير. وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة.
[ ٦٦ ]
قلت: ومن شواهده التي ذكرها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».
وقال سعيد أيضًا: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت: لا أريده فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي - ﷺ - فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ورواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي - ﷺ - ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
قلت: ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي - ﷺ - قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا فيه أنه
[ ٦٧ ]
أمره أن يسلم عند دخوله المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي - ﷺ -، وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد وهذا مشروع في كل مسجد.
وقال الشيخ في موضع آخر: هذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندًا؟ انتهى.
وروى ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ الكبير وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - ﷺ -. قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». ورواه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه المختارة، وهو ما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم.
قال الشيخ: فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علمًا ودينًا حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا مثله وهو يذكر هذا الحديث بإسناده، ولفظه: «لا تتخذوا بيتي عيدًا فإن تسليمكم يبلغني أينما
[ ٦٨ ]