وقال أحمد رحمه الله تعالى في رواية صالح إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من منكر آنية المجوس الذهب والفضة أو ستر الجدران بالثياب خرج ولم يطعم.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض قال: هذا يستعمل وكل ما استعمل فاخرج منه إنما رخص في الضبة أو نحوها.
وهذه الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى تفيد أن كل ما صلح للاستعمال من آنية وآلة وغيرهما فاتخاذه من الذهب والفضة لا يجوز وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته. ومن لم يعلم به إلا بعد ما دخل دار متخذه فإنه يخرج ولا يطعم.
ويستثنى من ذلك خاتم الفضة وقبيعة السيف منها وحلية المنطقة ونحو ذلك مما رخص فيه.
وقال المروذي أيضًا قلت لأبي عبد الله دخلت على رجل فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها فأعجبه ذلك فتبسم وأنكر على صاحبها.
وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله إن رجلًا دعا قوما فجيء بطشت فضة أو إبريق فكسر، فأعجب أبا عبد الله كسره، قلت لأبي عبد الله: فإن وقع إلي إبريق لأبيعه ترى أن أكسره أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره، وقال أيضا سألت أبا عبد الله عن إبريق فضة يباع؟ قال: لا حتى يكسر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووجه ذلك أن الصناعة محرمة فلا
[ ١١٠ ]
قيمة لها ولا حرمة وأيضًا فتعطيل هذه الهيئة مطلوب فهو بذلك محسن وما على المحسنين من سبيل انتهى.
وعلى هذه الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يخرج الحكم في الصناديق والساعات والأقلام المتخذة من الذهب أو الفضة وفيما سوى ذلك من الأواني والآلات المتخذة منهما فكل ما صلح من ذلك للاستعمال لم يجز اتخاذه لا للذكور ولا للإناث ويكسر إذا أمكن كسره وينكر على متخذه ولا تجاب دعوته.
ويستثنى من ذلك الساعات في حق النساء إذا كن يتحلين بها.
والعلة في المنع من اتخاذ ما ذكر هي مشابهة الكفار كما علل بذلك حذيفة ﵁ فيما رواه المروذي والخلال عنه وتقدم ذكره. وكما علل بذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما تقدم ذكره في رواية السواق ورواية صالح. وروي عن الشافعي وغيره أنهم عللوا بذلك في أواني الذهب والفضة.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار ثم ذكر بعض ما ذكرته عن حذيفة وأحمد، والأصل في ذلك ما تقدم من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
فأفاد هذا الحديث الصحيح أن من استعمل ما لا يجوز له استعماله من الذهب أو الفضة أو اتخذ ذلك عنده فقد تشبه بأعداء الله تعالى ومن تشبه بقوم فهو منهم.
[ ١١١ ]