بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
[وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصارى لا من جنس دين المسلمين، وبيان ذلك من وجوه:
الأول] (٢) قوله: (إن الله -تعالى- لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال، وتارة نزَّل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف، وكلاهما تشريف عظيم).
فيقال: هذا كذب علي الله وشرك به، وهو من جنس أقوال أهل الحلول (٣)
_________________
(١) كما مر في المقدمة، فإن الكتاب مفقود منه أوله، وقد سبق بيان أهم موضوعات الجزء المفقود، ومن المعلوم أن مما فُقد البسملة والحمد لله والصلاة على نبيه - ﷺ - والتي دائمًا يبدأ به المؤلف كتبه، وجميع النسخ الموجودة بدأت الكتاب بالبسملة، وهي من وضع النساخ وفيها كفاية لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وقد اقتصر عليها النبي - ﷺ - في مراسلاته؛ كما في كتابه لهرقل عظيم الروم، صحيح البخاري (كتاب بدء الوحي، باب رقم ٧) ١/ ٢٣ تحقيق محمد علي قطب طبعة ١٤١١ هـ الناشر المكتبة العصرية بيروت - لبنان، وكذلك الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في بداية كتابه "الصحيح" و"خلق أفعال العباد"، الطبعة الأولى ١٤٠٤، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان وغيره.
(٢) ما بين المعقوفتين من (د) و(ت) وسقط من الأصل و(ف) و(ح).
(٣) الحلول: عند الصوفية معناه أن الله -تعالى- يصطفي أجسامًا يحل فيها بمعاني الربوبية، فيزيل عنها معاني البشرية، وأن الله يحل بالعارفين من أوليائه وأصفيائه، وهذا زعم طائفة الحلولية. انظر: معجم مصطلحات الصوفية، تأليف د. عبد المنعم الحفني ص ٨٢، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ الناشر دار المسيرة بيروت - لبنان. وأغلب فرق الحلولية عند كتاب الفرق ترجع إلى غلاة الرافضة. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٥٤، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر دار المعرفة بيروت - لبنان. وقسمهم ابن تيمية قسمين: الأول: من يقول بالحلول الخاص، وهو قول النساطرة من النصارى، وغالية الرافضة، =
[ ١٢٥ ]
والاتحاد (١) كالنصارى (٢)، فليس في خطاب الله المطلق تنزيل أحد منزلة نفسه في الأفعال، ولا تنزيل نفسه في الأفعال والأوصاف منزلتهم، بل هو إله واحدٌ لا شريك له، وكل من في السموات والأرض آتيه عبدًا ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥].
ومن قال (٣): إن الرب منزل (٤) المخلوق منزلة نفسه في الأفعال، أو يَنْزِلَ هو منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله -سبحانه- يجعل له ندًا، وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء وكونه معبودًا، وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال العباد -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
ومن أخص أوصاف الرب تعالى القدرة على الخلق والاختراع، فليس ذلك
_________________
(١) = وغالية النساك، الذين يقولون بالحلول في الأولياء. الثاني: الحلول العام، وهو قول متقدمي الجهمية، وغالب متعبدة الجهمية، انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) الاتحاد: معناه تصيير الذاتين واحدة، وهو حال الصوفي الواصل، وعند الصوفية قيل: هو شهود وجود واحد مطلق من حيث إن جميع الأشياء موجودة بوجود ذلك الواحد، معدومة في أنفسها، لا من حيث إن لما سوى الله وجودًا خاصًا به يصير متحدًا بالحق، وقيل: غير ذلك. انظر: معجم مصطلحات الصوفية للحفني ص ٩ - ١٠. وقد قسمهم ابن تيمية أيضًا إلى قسمين الأول: من يقول بالاتحاد الخاص، وهو قول يعقوبية النصارى، ومن وافقهم من الغلاة المنتسبين للإسلام. الثاني: الاتحاد العام وهو قول من يقول: إن عين وجود الله، هو عين وجود الكائنات، وهو قول ابن عربي وأمثاله من أهل الوحدة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/ ١٧٢. وبعض الباحثين يجعل الحلول والاتحاد شيئًا واحدًا، والصواب التفريق بينهما. انظر: نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام، تأليف سارة بنت عبد المحسن آل سعود ص ٣٣ - ٣٥ الطبعة الأولى ١٤١١ هـ الناشر دار المنارة جدة.
(٣) كذا في الأصل و(ح) وسقطت من (ف) وفي هامش (د) في نسخة (كالنصارى).
(٤) في هامش (د) في نسخة (زعم).
(٥) في (د) و(ح) ينزل.
[ ١٢٦ ]