كلام الأئمة المتقدمين في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين قليل، فهي مسألة واضحةٌ ناصعة لا لبس فيها، ولا تحتاج إلى بيان، "فإن آيات القرآن الكريم ناطقة بحظر دعاء كل أحد، لا من الأحياء، ولا من الأموات سواء كانوا أنبياء أو صالحين، أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من الله خالق القدر ومنشئ البشر" (١).
"ومن المعلوم أيضًا أن الدعاء عبادة من أجلَّ العبادات، بل هو أكرمها على الله فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا؛ فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك؛ فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بُعث إليهم رسول الله - ﷺ -" (٢).
ولذلك كانت ترد هذه القضية عرضًا، في تفسير آية من الكتاب العزيز، أو نقل خبر عن المصطفى - ﷺ - أو عن الصحابة - ﵃ -، أو قصص من أخبار التابعين والسلف الصالح.
ولذا قلما يفردونها في مصنف خاص، أو يتكلمون في حكمها وأنواعها وما لا يجوز صرفه لغير الله، وما يجوز الاستغاثة فيه بغير الله مما يقدر عليه البشر، لشدة وضوحها ومعرفة الناس ما.
_________________
(١) انظر: فتح البيان تتمة منهاج التأسيس ص ٣٤٧، نقلًا عن دعاوى المناوئين ص ٢٧٣.
(٢) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص ٢١٧، عناية عبد الله حجاج الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، الناشر مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة.
[ ٤٤ ]
وقد شهد بهذا أحد القبورية وهو محمد بن موسى النعمان المالكي (ت ٦٨٣ هـ) فقال: "أما بعد فإنه سبق جماعة من العلماء الأعلام إلى جمع أخبار من استغاث بالله -تعالى- فقصدت أن أذكر ما وقع لي ممن استغاث بالنبي - ﷺ -، ولاذ به في شدته" (١).
لهذا فالكتب التي تعرضت لموضوع الاستغاثة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الكتب المؤلفة في الاستغاثة بالله -تعالى-، وهي ما كانت على الإسلام الصحيح الذي لم يعرف بدعة القبورية.
والقسم الثاني: الانحراف في مسألة الاستغاثة بالمقبورين.
والقسم الثالث: ردود أهل السنة والجماعة على هذا الانحراف وبيان حكم الاستغاثة بغير الله. وإليك هذه الأقسام بشيء من التفصيل.