ليس بالأمر الهين أن نؤمن بصحة نسبة أي كتاب كان إلى مؤلفه، ولا سيما الكتب غير المشهورة، ولا بد من التأكد من ذلك بالنظر في فهارس الكتب والمؤلفين، ودراسة مادة الكتاب نفسه.
وهنا لا نجد مصادر مستقلة تنسب هذا التلخيص لابن كثير، أو تتكلم عن التلخيص أصلًا، فليس أمامنا سوى ما جاء على المخطوطات ودراسة مادة الكتاب ومقارنتها بمؤلفات المؤلف الأخرى، وإليك الأدلة التي تؤيد نسبة كتاب تلخيص الاستغاثة لابن كثير:
أولًا: ورد في مقدمة التلخيص نسبته لابن كثير حيث كُتب في وسط الصفحة: "يعرف هذا الكتاب بالرد على البكري (كلمة غير واضحة) وجد في مجموع مخطوط في مكتبة الأفاضل بني الشطي شيوخ الحنابلة في دمشق الشام منقولًا من تاريخ ابن كثير -رحمه الله تعالى- وقد لخص أصل كتاب الشيخ -﵁-" (١).
ويؤكد العلامة جمال الدين القاسمي هذه النسبة فيقول في بداية الكتاب الأصل: "وأما الجزء الأول الذي قبله، فإنما نسخ من تاريخ ابن كثير حيث اختصر هذا الكتاب فيه" (٢). ولم أجد في النسخ المطبوعة لتاريخ ابن كثير ذكر لهذا التلخيص، وهذا أمر مستبعد، فإن تلخيص الكتب أو الإطالة في ذكرها ليس من منهج ابن كثير في تاريخه، ولكن المحتمل أن يكون اختصره في الكتاب المفقود الذي أفرده لترجمة ابن تيمية (٣).
_________________
(١) انظر: الصفحة الأولى من المخطوطة (د)، وفي بداية التلخيص: ترجمة البكري من تاريخ ابن كثير، ولعل الذي نقلها النساخ.
(٢) انظر: صفحة العنوان من المخطوطة (د).
(٣) انظر: أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف محمد بن إبراهيم =
[ ٨٨ ]
لعل ابن كثير لم يصرح في كتبه الأخرى بذكر هذا التلخيص خوفًا على نفسه، فقد أوذي لانتسابه لشيخ الإسلام، وقوله ببعض فتاويه.
ثانيًا: الملخِّص عالم بالرجال وبالجرح والتعديل، وبالحديث وعلله، فهو يطيل في نقد الرواة، ويوازن بين أقوال النقاد وعلماء الرجال، ويبين درجة الأحاديث، ويعزوها لمصادرها وبأسانيدها أحيانًا.
ثالثًا: وهو أيضًا من كبار تلاميذ الشيخ، واسع الاطلاع، فيصرح ببعض مصادر ابن تيمية التي نقل منها ولم يذكرها، وهذه الصفات تتوفر في ابن كثير.
رابعًا: اهتمام ابن كثير بترجمة البكري في تاريخه، أكثر من خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية الآخرين، مع أنه من أقلهم شأنًا، فقد يدل ذلك على أن له جهدًا علميًا في هذا المجال.
خامسًا: موافقته لآراء ابن كثير:
أ- عند ذكره لخبر دانيال (١)، قال: "وهذا قد رويناه في كتاب المغازي لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير إلى أبي العالية"، وهذا السند ذكره ابن كثير في قصص الأنبياء (٢).
ب- وأيضًا حديث: "لا يستغاث بي"، ضعفه في التلخيص (٣)، وفي التفسير قال: "هذا الحديث غريب جدًا" (٤).
جـ- في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، قال في التلخيص (٥): "فجعل المشركين غير أهل الكتاب"، وهذا
_________________
(١) = الشيباني ص ١٨٨، فقد ذكر هذا الكتاب المفقود. ومقدمة مسند الفاروق لابن كثير للمحقق د. عبد المعطي قلعجي ص ٨٥، فقد ذكره بعنوان "مناقب ابن تيمية" ضمن الكتب المفقودة.
(٢) تلخيص الاستغاثة ص ٢٩.
(٣) ص ٥٢٧ الطبعة الثامنة ١٤٠٨ هـ الناشر دار القلم بيروت - لبنان.
(٤) تلخيص الاستغاثة ص ١٥٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير طبعة ١٤٠٣ هـ الناشر دار المعرفة بيروت - لبنان ٣/ ١٧٣.
(٦) ص ١٤٩.
[ ٨٩ ]
هو رأي ابن كثير في تفسير هذه الآية في كتابه تفسير القرآن العظيم (١).
د- عند ذكره لذي القرنين في التلخيص (٢) قال: "والصحيح أنه لم يكن نبيًا"، وفى البداية والنهاية قرر ذلك فقال: "والصحيح أنه كان ملكًا من الملوك العادلين" (٣)، وضعف الروايات التي ذكرت نبوته.
فلهذه الأدلة وعدم المنازع في نسبته، فالراجح صحة نسبته إليه.
_________________
(١) ٤/ ٥٣٧.
(٢) ص ٦٤.
(٣) ٢/ ١٠٥.
[ ٩٠ ]