لم يصنف السلف هذه الكتب ليوضحوا القضية، أو يبينوا حكمها، أو يردوا بدعة القبورية، فهي قضية واضحة لا لبس فيها، أوضحها القرآن الكريم، وأبانها رسول الله - ﷺ -، ولم تعرف الأمة بعدُ بدعة القبورية حتى تردها، بل لعله لم يتوقع أحد منهم وقوع الاستغاثة بالأموات في هذه الأمة.
فهذه المؤلفات لجمع الأخبار في هذا الباب، وكانت تحكي حال الأمة في اللجوء إلى الله تعالى عند الكرب والشدة، ورجائه ودعائه وحده، لا يلجأون لنبي ولا لملك من الملائكة ولا لرجل من الصالحين.
قال القاضي التنوخي: "فإني لما رأيت أبناء الدنيا متقلبين فيها بين خير وشر، ونفع وضر، ولم أر لهم في أيام الرخاء أنفع من الشكر والثناء، ولا في أيام المحنة والبلاء أنجع من الصبر والدعاء، وجدت من أقوى ما يفزع إليه من أناخ الدهر بمكروهه عليه، قراءة الأخبار التي تنبئ عن تفضل الله -﷿- على من حصل قبله في محصله، ونزل به مثل بلائه ومعضله، بما أتاحه الله -تعالى- له من صنيع أسهل الأرزاق، ومعونة حل بها من الخناق، فإن
_________________
(١) مصباح الظلام - مخطوط بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مصور عن شستربتي رقم ٣٦٧٧ ص ١ بترقيمي.
[ ٤٥ ]
معرفة الممتحن بذلك تشحذ بصيرته للصبر، وتقويه عزيمته على التسليم لله مالك كل أمر، والتفويض إلى من بيده ملك النواصي، وإذا علم الله -سبحانه وهو علام الغيوب- من عبده الممتحن المبتلى صدق اللجوء إليه، وانقطاع أمله إلا من عنده، لم يكله إلى سعيه وجهده، ولم يرض له باحتماله وطوقه، ولم يخله من عنايته ورفقه " (١).
وهذه القصص التي ذكروها البعض منها في القرآن الكريم، والبعض الآخر في السنة النبوية، ومنها ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم.