(قال شيخ الإسلام ابن تيمية) في نقض كلامه وحل إبرامه: فيقال: أولًا: هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي، لم يسبقه أحد من الأئمة إليه، وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم؛ إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية وأضلهم في
_________________
(١) أخرجه مسلم في (كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر) ٢/ ٦٦٦ رقم ٩٦٩ واللفظ له إلا قوله: "لا أدع"، فلفظ مسلم: "لا تدع".
(٢) سيأتي تخريجه في ص ٢٦٢.
(٣) أي البكري.
[ ٩٦ ]
المسالك الدينية، فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي - ﷺ - لا بإسناد حسن ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به، وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب، وتنقل عن مثل كعب ووهب وابن إسحاق (١)، ونحوهم ممن أخذ ذلك عن مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم. كما روي أن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات فكان يحدث منها بأشياء.
ويكفيك أن هذا الحديث ليس في شيء من دواوين، الحديث التي يعتمد عليها.
وقد جمع غير واحد من الحفاظ قصة آدم (٢)، ومن أجمعهم أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه الكبير"، فإنه روى عامة ما رواه الناس ولم يذكر هذا، وإنما ذكر هذا وأمثاله من يجمع الموضوعات الكثيرة والأكاذيب العظيمة.
ومما يبين كذب هذا أن الله -﷾- قال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٧ - ٣٨]، فأخبر أنه تاب بالكلمات التي تلقاها منه وقد قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية، فأخبر أنه أمرهم بالهبوط عقب هذه الكلمات، وأخبر أنه تاب عليه عقب الكلمات وأمره بالهبوط، فكان أمره بالهبوط عقب الكلمات التي تلقاها منه وهي قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، أو كلمات تشبه هذه الكلمات ذكر ذلك طائفة كثيرة من المفسرين، ومن ذكر أن الكلمات التي تلقاها من ربه غير هذه لم يكن معه حجة في خلاف ظاهر القرآن.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة" في هذه الكلمات أشياء كثيرة كلها تدور على ما ذكره الله في كتابه من قول آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وأيضًا فإن قولهما: ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ يتضمن الإقرار والاستغفار، ومن هو دون آدم أقر بذنبه واستغفر منه غُفِرَ له، كما في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال لعائشة: "إن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله
_________________
(١) أشار المؤلف لهذا في الأصل ص ٣٢٢، وانظر: غير مأمور تراجمهم هناك.
(٢) أي قصة آدم وأكله من الشجرة، وتوبته، ولم يذكر هذا الخبر الباطل.
[ ٩٧ ]
عليه" (١) وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]، وكذلك الآية التي في آل عمران، وإذا حصلت مغفرة بالتوبة حل المقصود لها لا بغيرها، وقد ثبت في الصحيح عن عمرو بن العاص أن النبي - ﷺ - قال له: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها" (٢).
وأيضًا فلو كان آدم قد قال هذا لكانت أمة محمد أحق به منه، بل كان الأنبياء من ذريته أحق، وقد علم كل عالم بالآثار أن النبي - ﷺ - لم يأمر أمته به؛ ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار؛ ولا نقله أحد من العلماء الأبرار، فعلم أنه من أكاذيب أهل الوضع والاختلاق الذين وضعوا من الكذب أكثر مما بأيدي المسلمين من الصحيح (٣)، لكن الله فرق بين الحق والباطل بأهل النقد العارفين بالنقل علماء التعديل والتجريح.