- قال الشيخ: فيقال: (الجواب) عن هذا من وجهين:
(أحدهما) المطالبة بصحة هذه الحكاية وليس معه ولا مع من ينقلها (٤)
_________________
(١) في (د) و(ط) لا يمت، وفي التيمورية (لا يمن).
(٢) وأيضًا لا يمن ولا يدل بعمله على الله لما ورد في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، انظر: ص ٢٣٣.
(٣) سيأتي تخريجه في ص ٢٦٤.
(٤) في الأصل (به) وفي (ت) (بها)، ويستقيم المعنى بدونها.
[ ١٠٢ ]
إسناد صحيح ولا ضعيف، وإنما غايته أن يعزوها إلى "الشفا" أو إلى من نقلها منه، وكل عالم بالحديث يعلم أن في هذا الكتاب من الأحاديث والآثار ما ليس له أصل ولا يجوز الاعتماد عليه، فإذا قال القاضي عياض ذكره فلان في كتابه فهو الصادق في خطابه؛ وإذا لم يذكره من أين نقله لم نتهمه؛ ولكن نتهم من فوقه، وقد رأيناه ينقل من كتب فيها كذب كثير وهو صادق في نقله منها لكن [من] (١) فوقه لا يجوز الاعتماد عليهم.
الوجه الثاني: أن يقال هذه الحكاية كذب بلا ريب من وجوه: منها أنها مخالفة لمذهب مالك ومذهب سائر الأئمة، فإنهم متفقون على أن من سلَّم على النبي - ﷺ - ثم أراد الدعاء فإنه يستقبل القبلة، كما روي ذلك عن الصحابة، وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو القبر؟ على قولين: قال أبو حنيفة: يستقبل "القبلة أيضًا". وقال: غيره: "يستقبل القبر وقت السلام عليه".
وأما وقت الدعاء فما أعلم إمامًا خالف في أنه يستقبل القبلة، بل الأئمة متفقون على أن قبلة المسلمين التي يستقبلونها في جميع أدعيتهم وأمكنتهم هي الكعبة، ويستحب لكل من دعا الله أن يستقبل الكعبة حيث كان، وأين كان، كما كان النبي - ﷺ - يستقبلها، فيستقبلها وقت الذكر والدعاء بعرفة ومزدلفة وبين الجمرات وعلى الصفا والمروة، وعقب الصلاة في مسجد النبي - ﷺ -، وغيره، وما جعل أحد من الأئمة قبر أحد من الأنبياء قبلة للدعاء، وإنما يستقبل قبورهم أهل الجهل عند عباداتهم، ومن هؤلاء الغلاة من يستقبل قبورهم ويصلي إليها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٢).
(ومنها) أن مالك من قوة متابعته للسنة كره أن يقال زرت قبر النبي - ﷺ -، وهذا مما لا يستريب أحد في ثبوته عنه، مع أن لفظ زيارة القبور في الجملة مما جاءت به السنة في غير قبره، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي أن
_________________
(١) كذا في (ت) وفي (د) و(ط) ما.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في (كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة عليه) ٢/ ٦٦٧ رقم ٩٧٢.
[ ١٠٣ ]
أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن في، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة.
ثم بسط الشيخ الكلام على ذلك.